من المفرح للقلوب أن نرى توقيع اتفاق مصالحة بين حركتي فتح وحماس، وهذا يعطي مزيدا من الأمل في فشل الرهان الأمريكي على تقسيم الضفة وقطاع غزة وإفساح المجال لحفظ الأمن الصهيوني في الضفة بفعل التنسيق الأمني.
ولكن دعونا نتوقف عن الحديث عن القلوب والعاطفة والمشاعر وندخل إلى التفكير بالعقل الذي سيطر على الشعوب العربية منذ بداية 2011 عندما أطاحت بأنظمتها وتركت عواطفها جانبا، للوهلة الأولى يرى الناظر للاتفاق بأنه إنهاء للإنقسام وذهاب للمصالحة، تلك الكلمة الفضفاضة التي تدخل في طياتها تفاصيل كثيرة ومعان عدة لعل من أبرزها وقف التنسيق الأمني من قبل السلطة مع الاحتلال وفرض سيادة مؤسساتية منتخبة على القرار الفلسطيني وعدم الاستفراد به لصالح مواضيع جوهرية كالتسوية والمفاوضات وغيرها، بالإضافة إلى احتواء عناصر حماس في الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية وإعطاء المجلس التشريعي الفلسطيني الدور الذي حاولت فتح تعطيله لأربعة أعوام خلت بكل الوسائل، هادفة من وراء ذلك إلى عدم تمكين حماس من السلطة.
ولعلنا في نفس الوقت نتحدث عن معنى آخر للمصالحة بأن فتح ستصبح شريكة لحركة حماس في إدارة قطاع غزة أيضا، ونظرا للحساسية الأمنية في القطاع وعدم انتهاء ملف شاليط والتهديد الصهيوني الدائم له فإن المصالحة تعني مغامرة حمساوية في إدخال فتح مجددا إلى غزة كحكم، وبالإشارة إلى بنود الاتفاق فإن الورقة المصرية المعدلة هي سيدة الموقف أي أن حماس قررت وفتح تراجعت، وهنا بيت القصيد.
إذا كنا أمام فتح جديدة في التحالفات والتكتيكات والمراهنات، فإن الاتفاق سيدوم ويدوم ويدوم لأن المصالحة هي السلاح الأقوى لأبو مازن وحركته ضد ممارسات الاحتلال والصفعة الأمريكية لفريق التسوية، ولعل هذه التحديات التي ذكرت سابقا لن تكون عائقا أمام فتح لأن حماس في الحكومة والعبء عندما يوزع فإن الخسائر تكاد تكون معدومة وعلى ذلك فحركة فتح بمراجعتها هذه المواقف وعودتها لخيار الشعب والفصائل تسجل تاريخا مشرقا لمرحلة نضالية قادمة ستنهي الاحتلال بشكل متسارع، خاصة وأن عباس بعد توقيع المصالحة بات الرئيس المتوافق عليه وهذا ما لم يحصل عليه أي زعيم سابق وبالتالي سيكون موقفه قويا جدا في المحافل الدولية وحتى الشارع الفلسطيني من الحمساوي قبل الفتحاوي.
أما في حال إسقاط المعادلات السابقة على ما يجري الآن، فحركة فتح إذا كانت تتخذ من المصالحة غطاء لها من أجل فترة محددة وهي أيلول القادم وحسب، فهذه مصيبة تاريخية قد تعصف بها لأنها بهذا الحال تستمر بالرهان على العنصر الخارجي والأمريكي مستخدمة الوضع الداخلي كوسيلة وليس كغاية، وفي هذه الحالة سيبقى التنسيق الأمني بشكل سري وتعيش الضفة وغزة أجواء المصالحة لأربعة أشهر فقط حتى أيلول، ومن ثم تعود فتح لتنفيذ مخططات الأمريكان كما كان سابقا عبر خريطة الطريق التي تحفظ أمن الاحتلال على حساب القضية.
ومن هنا فحركة فتح أمام تحديات كبيرة ستكون الساحة القادمة هي المختبر الحقيقي لسلوكها الذي سيكون تاريخيا، وبناء على الميدان والتطورات سنكون أمام فتح بالحلة الجديدة التي اكتسبتها من فشل الرهان على الأمريكي، أو أمام فتح التسوية والمراوغة.