كتبت مقالة "مصر إذا غضبت" وأرسلتها يوم الخميس 27/1 ونشرتها الشروق السبت 29/1 أثناء سجني.
وعندما خرجنا من سجن وادي النطرون (2) كانت آثار "جمعة الغضب" واضحة نزل الجيش مساء الجمعة عقب سقوط مئات الشهداء، وفشل قوات البوليس في منع تظاهرات آلاف المصريين الذين تدفقوا إلى الميادين والشوارع الرئيسية في كافة مدن مصر.
قاد عمر جمال زوج ابنتي الكبرى سارة السيارة بسرعة وأنا بجواره، ورأينا على الطريق الصحراوي من مدينة السادات إلى مدينة 6 أكتوبر آلاف المساجين بملابس السجناء الزرقاء يحملون أمتعتهم ويستوقفون أي سيارة نقل لتحملهم، يرفض الأغلبية ويرق قلب القليل النادر، فيستمرون في السير وعليهم ملامح الإعياء الواضح ويتساقطون على جانبي الطريق.
عندما وصلنا إلى بوابة الرسوم رأينا دبابات ومصفحات الجيش تسد الطريق، اتجهنا إلى الطريق الجانبي المتجه إلى مدينة أكتوبر، كنت بملابسي العادية لأننا لم نمكث في السجن إلا ليلة واحدة، ولم يكن معي بطاقة هويتي، وكان برفقتنا زوج ابنتي الوسطى "سمية" د."محمد عبدالناصر" وهو طبيب جراح له حق التنقل بحرية أثناء حظر التجول.
لم يتوقف "عمر" واستمر في السير ولم يستجب لمحاولات توقيفنا، لعله خشي أن يتعرفوا على شخصيتي من جراء ظهوري المتكرر في الإعلام فيتم إعادتي إلى السجن من جديد، أو تتأخر إجراءات عودتي إلى البيت أو وصولي إلى المكتب الذي كنت قررت الذهاب إليه مباشرة.
أطلق الجنود الرصاص على اتجاه السيارة، لم نفزع أو تهتز أعصابنا، كانت الطلقات في الهواء، أسرع عمر وبدأنا نتنفس الصعداء.
كنا أعضاء مكتب الإرشاد السبعة عقدنا اجتماعا مغلقا قصيرا عقب تناول الغذاء في مدينة السادات لنرتب إجراءات تأمين وصولنا ثم توزيع المهام علينا، كان نصيبي أن أذهب مباشرة إلى مكتب الإرشاد.
اكتفيت بالاتصال بزوجتي وأولادي للسلام عليهم والاطمئنان عليهم وأمهلتهم بضعة أيام أخرى من الغياب حسب الظروف حتى نلتقي من جديد ويلتأم شمل الأسرة.
كنا على ثقة من اجتماع الشمل من جديد لحظة القبض علي قال لي محمد عبدالناصر زوج سمية لا تقلق يا عمي، كلها يومين، إما أن تعود إلينا من جديد أو نأتي نحن إليك في السجن، وقال م. محمد رسلان زوج صغرى بناتي أسماء، لا يا عمي كلها فقط يومان وستعود إلينا بمشيئة الله. اتجهت مباشرة إلى المكتب دون المرور على أسرتي، وطلبت منهم إعداد حقيبة بملابس أخرى لتغيير ما ألبسه منذ 3 أيام.
رأيت مشاهد الغضب في كل الطريق، "هايبر وان" محطم ومنهوب، الشوارع تكاد تكون خالية، الكمائن العسكرية على مفارق الطرق، وفي الأماكن الحساسة.
كانت آثار يوم الجمعة المشهود واضحة للعيان.
حكى لي أولادي وأزواج بناتي عن وقائع يوم الجمعة العظيم الذي نستطيع القول أن الثورة بدأت به تشق طريقها نحو الانتصار.
السبب الرئيسي للتحول العظيم يوم 28 /1 /2011م يعود إلى عدة اعتبارات:
أولا: انضمام الشعب بمئات الآلاف إلى التظاهرات.
ثانيا: توحد الشعب تحت شعار ملهم هو "الشعب يريد إسقاط النظام" ويقال أن شابا من "ناهيا" بلدتي التي نشأت بها هو الذي أطلق الشعار مستلهما التجربة التونسية أثناء توجه المظاهرات القادمة من شارع ناهيا إلى شارع جامعة الدول العربية في اتجاهها إلى ميدان التحرير.
ثالثا: اتساع التظاهرات إلى كافة أنحاء القطر المصري من الإسكندرية إلى أسوان وقد كان للإخوان دور كبير في تحفيز الشعب للخروج العظيم وترك المطالب الفئوية الاجتماعية، والاتحاد خلف مطلب سياسي واحد.
رابعا: غباء النظام عندما تصدى بقوات البوليس والأمن المركزي للمظاهرات التي لم يكن في مقدور أي قوة منعها، وإطلاق الرصاص الحي على الشعب المصري، ثم سحب البوليس ونزول الجيش، وإصدار مبارك الأوامر للجيش بمنع المظاهرات بالقوة وهذا ما رفضه الجيش تماما مما أدى إلى اتساق نطاق المظاهرات التي تحولت إلى اعتصامات بالميادين الرئيسية في القاهرة (التحرير) والإسكندرية والمنشية.
خامسا: التزام القوى السياسية ووحدتها، حيث لم يرفع أحد أي شعارات أو أعلام خاصة باستثناء ما رأيته من مظاهرة لحزب الوفد ترفع أعلاما وفدية.
سادسا: نجاح ائتلاف شباب الثورة في التماسك وبروزه كقيادة ميدانية، وقد نجح الإخوان والتنسيق معه عبر لجان متعددة للإعاشة والتنسيق والإعلام.... إلخ دون أي بروز إخواني.
إذا كانت هناك أيام سيؤرخ فيها لثورة مصر فهي كالتالي:
1) 25 يناير، بداية التظاهرات الغاضبة.
2) 28 يناير، جمعة الغضب وسقوط الشهداء.
3) 2 فبراير، موقعة الجمل وحماية الثورة.
4) 11 فبراير، يوم تنحي مبارك وبداية الانتصار (ليلة ذكرى استشهاد الإمام الشهيد حسن البنا)
5) 19 مارس، يوم الديمقراطية والاستفتاء عندما خرج 18 مليون مصري لأول مرة في حياتهم للتصويت الحر النزيه.
6) 13 إبريل، يوم سجن مبارك وأولاده وانتصار سيادة القانون.
بدأ الاحتشاد يوم الجمعة عقب الصلاة، حيث توجهت المظاهرات من كافة أنحاء محافظة الجيزة حيث يسكن أولادي وأزواجهم إلى ميادين الجيزة التي شهدت ملاحم الإصرار والتحدي.
توجه ابني إبراهيم من مسجد عكاشة بالهرم إلى نفق الجيزة مع بضعة مئات استطاعوا بسهولة إزاحة أول كردون من قوات البوليس عند النفق، لكنهم عند ميدان الجيزة فوجئوا بحشود أمنية هائلة، الظاهر أنها كانت محتشدة لمنع د.البرادعي من صلاة الجمعة في مسجد الاستقامة بالميدان وهو ما كنا اتفقنا عليه ليلة الجمعة مع د.البرادعي على أن يحضر معه د.الكتاتني.
استطاعت الآلاف التي تدفقت إلى الميدان من الجيزة القديمة وجنوب الجيزة والهرم اجتياح البوليس وسقط بعض المصابين واتجهت المظاهرة إلى شارع مراد (الجيزة) ووحدت الحشود أكبر وأكبر عند سفارة العدو الصهيوني وكان الانطباع أن حماية السفارة أهم بكثير من حماية النظام الذي اتضح للجميع الآن أنه إنما بقي واستبد وطغى وتكبر لحماية العدو وليس لمصالح الشعب.
اتجهت المظاهرة إلى ميدان "الجلاء" لم تجد صعوبة في الوصول إلى الميدان هناك بدأت ملحمة جديدة.
تجمع آلاف مؤلفة قادمة من كل الجيزة تريد أن تتجه إلى ميدان التحرير، قبلة المتظاهرين والملايين.
الطريق من الجيزة إلى القاهرة إلى قلب ميدان التحرير يمر عبر كوبري الجلاء ثم مرورا بجزيرة الزمالك إلى كوبري قصر النيل انتهاء بميدان التحرير، هناك كانت ملحمة كبرى دارت بين إصرار الآلاف على المرور وتصدى البوليس لمحاولة منعهم، بين كر وفر، تقدم وتأخر، إطلاق رصاص في الهواء للتخويف والإرهاب، وسقوط مصابين نتيجة التدافع تحت الأقدام.
يحكي لي ابني إبراهيم، أن عامة الشعب وخاصة الشباب كانت بهم طاقة هائلة وإصرار عجيب وعناد ثابت للمرور لا يهمهم شيء، يواجهون الموت بصدور عارية.
شباب ليس لهم انتماء سياسي، السياسيون ذابوا وسط الآلاف ولهم خبرة في مواجهة البوليس، بينما هؤلاء الشباب ليست لهم مثل هذه الخبرة، لذلك انتفعوا ببراءتهم الأصلية، وهزموا جحافل البوليس التي تعودت على مواجهة مظاهرات السياسيين المحدودة العدد المحدودة الهوية، المتفق سلفا ضمنا أو صراحة مع البوليس على كل التفاصيل.
سألت ابني إبراهيم، هل سقط وسطكم شهداء؟
قال لي: لا، لم أتعرف على شهداء، لأن غالبية الشهداء سقطوا عندما توجهت مظاهرات أخرى في اتجاه وزارة الداخلية، وهي من الجهة الأخرى لميدان التحرير، تريد القبض على العادلي وكبار رجال الوزارة للقصاص منهم.
وأكثر الشهداء كما أرى حالياً من الإعانات العاجلة التي تقدمها لهم نقابة أطباء مصر سقطوا في المحافظات بالدلتا: الشرقية، الدقهلية، المنوفية، الغربية، والإسكندرية، والسويس.