المقاومة هي حشاشة الروح المتبقية في جسد الأمة، ولقد جاء وقت تخلت فيه الأنظمة العربية عن هذه المقاومة، بقيادة رمز التخلي الرئيسي حسني مبارك وبقية الفرقة، واحتضنت المقاومة سوريا.. لا يماري في هذا أحد، ولا يكابر في الحقائق مكابر. فهي التي سمحت بتسليح حزب الله، رأس القوة في هذه المقاومة، ودعك من المماحكات المذهبية والحكحكات الجاهلية، فحزب الله هو القوة التي حققت توازن الرعب مع العدو الصهيوني، ليقل من شاء ما شاء، وليتفلسف كما يشاء، وليخترع من التعلات والتبريرات ما يسعفه خياله، فهذه حقيقة. وكل ما يريد أن يبصرنا به البصراء نبصره.. وكل ما يريد أن يعرفنا به العارفون نعرفه، بلا ادعاء، فهم يريدون تحذيرنا من التغول الشيعي والتمرد الفارسي، وهم الذين أتوا بهذا التمرد والتغول إلى عقر دارنا، وهم الذين أسقطوا نظام الصخرة التي كانت تقف في وجه هذا التمرد، فلا يزايدون.. ولا وقت للمهاترة.
وسوريا هي التي احتضنت حركة حماس بعد أن ضاق بها رحب الفضاء.. ونعلم أن الرئيس السوري كان يتصل بنصر الله كل يوم ليطمئن على سير الحرب على لبنان 2006، ويتصل بمشعل كل يوم ليطمئن على سير الحرب على غزة 2009. وقد يقول قائل: ولماذا لا يحارب هو؟ وليس دفاعاً عن أحد، فيكفي أن يسمح للمقاومة أن تحارب هي في الوقت الذي يحكم فيه على بدوي من سيناء بثلاثين سنة سجن لأنه يهرب المواد التموينية إلى قطاع غزة عبر الأنفاق، فلا يستويان مثلاً. كل هذا نحمده لسوريا ونعرفه ونقر به ونسجله ولا ننكره.
وفي الوقت الذي كان فيه الخطاب العربي في القمم وغيره يتردى إلى درك سحيق من الهوان والتهاون، كان الخطاب السوري، وكلمة الرئيس بشار تنتظرها الجماهير بفارغ الصبر، لتسمع اتجاها آخر عن نبض هذه الجماهير وتطلعاتها.
وإذا كنا نتمنى ألا تهب رياح الثورة على بلد، فإنا كنا نتمنى أن يكون هذا البلد سوريا، للاعتبارات السابقة.
ونزيد عليها أن كل الفصائل سوى حماس كانت تجد المأوى ذاته والصدر الرحب نفسه، عدا توجه عباس التابع بالمطلق لحسني مبارك.
ونزيد كذلك أن أنشطة هذه الفصائل كانت ترعى وتوفر لها الأجواء والحرية أن تقول ما تشاء وترفع من الشعارات ما تشاء.
ونزيد كذلك أن الفلسطينيين في سوريا لا يشعرون بغربة أو هوان بينما هم يذبحون في العراق، ولا تستقبلهم أجهزة مبارك مع أنهم يحملون الوثائق المصرية.
ونزيد أيضاً أن بعض قيادات العمل الإسلامي في سوريا عندما قال: نتعاون مع خدام لإسقاط بشار الأسد، عددت ذلك من أكبر الأخطاء، ولست أقارن خدام المتعاون معه بالمتعاون ضده. ليسوا سواء وأزيد أن الشعب السوري استبشر ببشار، وفتح صفحة جديدة وطوى صفحة من الألم والأحزان والقهر والتضييق والبطش، وهذا معلوم بالضرورة لا يحتاج إلى برهان، دلالة على أن هذه الشعوب بريئة طيبة سليمة الصدر متسامحة، وليست طائفية كما قد يدعي أو يزعم.
وقد أعطى الشعب السوري من قلبه، واصطبر لأنه يعلم أن الإصلاح ليس ضربة سحرية، وأن قوى الشد العكسي متجذرة، وأن الحرس القديم متمترس عصي على التحول أو التغيير، عصي على السماح بالحريات لأنه تعود التأله على الناس والتحكم في مقدراتهم.. فأعطوا فرصة. وكل ذلك كان يتم بعفوية دون تفلسف أو تنظير أو سفسطة أو شقشقة فلما طال الأمر عن المحتمل، وتجاوز مدى الاصطبار، قام هذا الشعب الكريم العربي الأبي يطالب بأبسط حقوقه، ولم يرفع قط شعار إسقاط النظام. فقام الحرس القديم والمورطون والمتورطون يطلقون على الجماهير العزلاء النيران والذخيرة الحية.
وقيل في تبرير ما حدث من انتفاضة ومن إطلاق نار أن سوريا تتعرض لمؤامرة.
وأما أن سوريا مستهدفة فنعم. وأما أنها في دائرة التآمر من قبل جهات كثيرة فنعم. وأما أن سعد الحريري (علينا والحريري على غيرنا) مستعد أن ينفق نصف ثروته التي ورثه إياها عبقري الاقتصاد والتوريد للجيش الأمريكي، مستعد أن يبددها في قلقلة أمن سوريا فأنا أعتقد جازماً بأن ذلك صحيح. فأولاً مال أتت به الريح فلتذهب به الزوابع. وثانياً إن الذي نحاه عن الرئاسة (التي ليس أهلاً لها ولا كفؤا ولا يستحقها هو سوريا، والعربي من أمثاله لا ينتقم لوطنه ودينه بل للأسف لا ينتقم إلا لنفسه).
ونعلم أن من ورائه بعض الدول مستعدة للشيء نفسه أن تنفق مليارات بلا عدد، ولها في ذلك سوابق، لزعزعة استقرار وأمن سوريا. كل هذا نعرفه ولا نحتاج من يبينه لنا.
ولكن كل هذا شيء، وما جرى وما يجري وبخاصة في الجمعة الأخيرة شيء آخر، فأولاً البعض تمنى أن لا تهب الرياح على سوريا بالذات. لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، تجري رياح الشعوب بما لا تشتهي سفن الأماني، هذه ريح هبت على منطقة بأكملها طال ركودها وطال رقودها، وطال اصطبارها وطال احتمالها الأذى والضيم والفساد. وإذا هبت ريح الشعوب فالأفضل مجاراة الريح وعدم معاندتها، وإلا كسرت الصواري ومزقت الأشرعة. لأنه ومن واقع تجارب الشعوب أنها إذا صممت بلغت ما تريد.. فلم لا يتحقق للشعب مطلبه العادي والعادل. فالشعب لا يطلب خوارق. إنه يبحث عن الكفاف، وعن الحرية، والستر والكرامة وحفظ إنسانية الإنسان، فلا يغيب في الزنازين لأهواء أو لمجرد وشاية لا أساس لها.. هذا أمر عفا عليه الزمن وتجاوزته الشعوب وتخطته الأمم. يبحث الشعب عن حرية التعبير بحيث يخرج ليفصح عن مطالبه بصوت عال دون أن تطلق عليه النيران أو الغازات السامة. هذا ليس من المعجزات أو الطلبات فوق العادة شعوبنا متواضعة المطالب، وشعبنا العربي شكور كالأرض الشكور تعطي الكثير على السقيا القليل. وليته يرزق بحكام يقدرونه كما ينبغي أن يقدر ويعاملونه كما تعامل الشعوب المحترمة.
وثانياً: سلمنا كما أسلفنا بوجود المؤامرة، والمؤامرة تريد توسيع الشقة والهوة بين الشعوب والنظام فهل الحكمة أن أعطيهم مبتغاهم بتوسيع الفجوة عن طريق القتل والعنف؟ إن هذا هو أقصر الطرق لتحقيق بغية المتآمرين. يا أيها القادة. والرئيس الأسد من أذكاهم أو أذكاهم فلا تحقق لهؤلاء الحاقدين مآربهم ومبتغاهم. فوت عليهم مقاصدهم. بأن تتسارع وتائر الإصلاح وأن يؤخذ على يد الفاسدين والمفسدين، والمورطين للنظام والمؤججين للصدور بالحقد على النظام نتيجة القتل والجثث الملقاة في الشوارع.
أصلح العلاقة بينك وبين الشعب، انس الشعب ما قد كان، وأصدق الناس وداً صدقوك هم فيه، ولتبق سوريا كما يريدها كل غيور طليعة الممانعة، وقائدة جبهة الصمود، ما نتمنى لبلدكم إلا هذا، علم الله..
وثالثاً: القائد هو فريقه فقل لي من مستشاروك أقل لك أي قائد أنت ويبدو يا سيادة الرئيس أن مستشاريك ما نصحوك وما أعطوك الحقائق والوقائع، ولا أوصلوا لك صورة الأمور كما ينبغي أن تصل لك، من هنا فإن خطابك الأول بدل أن ينزل على الناس بلسماً وبرداً وسلاماً نزل عليهم ألماً زائداً وجرحاً معمقاً ومرارة قاسية.. ولا أقول سماً ونعلم أن الخطاب يدرس ويخرج ويعده فريق، وترسم له سيناريو وتدرس التفصيلات من ابتسامات أو تقطيبات، هكذا في الدنيا كلها، معلوم هذا، فكيف زين الفريق أن تخرج على الناس بهذه الصورة، وكأن البلد ليست تمر بمأساة، والدماء موارة فوارة لم تبرد؟!
يعلم الله أنا ما نقول هذا إلا من النصح لبلد حضن المقاومة وكان حصن المقاومة وحضن المقاومة، ودرع المقاومة وليس لنا مصلحة في التهييج أو التعبئة المضادة، ولسنا تبعاً لا للحريري ولا للدولة التي يعمل عندها الحريري ولا يسرنا ولا يشرفنا فاستمعوا لنصح الناصحين، وكما قال الفاروق العظيم عن نفسه: "لا خير فينا إن لم نسمعها ولا خير فيكم إن لم تقولوها".
أيها الرئيس إياك ومن يؤلهونك، فهم أعدى أعدائك، أنت عبد لله العظيم ستلقاه فرداً بلا ألقاب ولا حرس ولا مصفقين.
ورابعاً: الدم يستدعي مزيداً من الدم، فلا توغلوا في الدماء ولا تسرفوا في سفكها، فهذا لن يهدئ من روع الناس ولن يسكن من ثائرتهم بل يزيدهم نفوراً، ويزيدهم تمرداً، والشعوب لا تُتحدى، وقد تقهر في جولة، وقد حصل في سابق السنين، والحديث مفهوم، لكن الجمر بقي تحت الرماد، واختزنه الشعب، فلو قوبل إحسانه الظن وفتحه صفحة جديدة بحسن معاملة وإكرام، لأطفأ الجمر الكامن تحت الرماد، ولمّا لم يحصل شيء مما كان يؤمل نفخ الرماد عن الجمر فاشتعل الأفق ناراً.
خامساً: وختاماً كنا نؤمل إن كان أحد يستجيب لشعبه أن تكون أنت هو، وإن كان أحد لا يقابل شعبه بالمكاسرة والمعاسرة والمخاشنة أن تكون أنت هو، وإني آمل أن الوقت لم يفت، فاستمع يا سيادة الرئيس إلى صوت شعبك، لا يمكن أن يكون هذا الشعب الذي قدم مئة شهيد في يوم واحد مرتزقاً أو مأجوراً أو عميلاً أو مسيراً من الخارج، وإذا كان بعد هذه السنين من الحكم لم تزرعوا الولاء في قلب الشعب لكم فهناك شيء غلط، ففتشوا عنه.
نقب بين مستشاريك، واصرف عنك منهم من أوقعوا بينك وبين شعب أحبك. وهم أصدق من هؤلاء المزورين، وختام الختام دعاء نرفعه: اللهم حكم فينا من يقتدي بهدي نبيك: "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك". هذا المصطفى فكيف غيره فهل من مدكر؟