السوريون يرفضون الإصلاح بالتقسيط الممل

نشر 24 ابريل 2011 | 08:49


يبدو أن النظام السوري يشعر بثقة مفرطة بالنفس تدفعه إلى تقسيط عملية الإصلاح على نحو ممل، وإلا فهل يستحق إلغاء قانون الطوارىء ومحكمة أمن الدولة كل هذا الوقت، ومن ثم كل هذا الاحتفال في دولة أمنية تغيب فيها الأعراف والقوانين، فضلا عن أن يكون البديل هو قانون لمكافحة الإرهاب.

هنا يتبدى المشهد على نحو معكوس، فما جرى يعد مؤشرا سلبيا في واقع الحال، والسبب هو تزامنه مع مساعي السلطة الهادفة إلى حشر الحراك الشعبي في إطار تمرد مسلح يقوم به سلفيون وإخوان مسلمون، الأمر الذي سيواجه بكل حزم، مع إلغاء حق التظاهر من دون إذن.

لا ننسى أن للنظام السوري قدراته المشهودة على اختراق مجموعات السلفية الجهادية بسبب تجربته معها في عراق ما بعد الاحتلال، وبالتالي دفعها نحو ارتكاب أعمال تخيف الناس وتحرف حراكهم الشعبي السلمي نحو مسارات عبثية، ولعل ذلك هو ما يفسر حديث السلطة عن الأسلحة القادمة من العراق، لأن منطق الأشياء يقول إن تلك الأسلحة لن تتدفق من القوى الشيعية التي تنحاز للنظام تبعا لانحياز إيران إليه، حتى لو كان لبعضها إشكالات سابقة معه بسبب موقفه السابق من المقاومة العراقية، ولكنها ستتدفق (نظريا بالطبع) من القوى القريبة من تنظيم القاعدة التي لا تزال نشيطة في العراق، وتؤمن بعولمة الجهاد.

ولا ننسى أن بعض المجموعات المسلحة قد نسبت إلى الإخوان المسلمين، في استعادة لذكريات مطلع الثمانينات الأليمة، مع أن عاقلا لا يصدق أن التنظيم لديه القدرة، فضلا عن القابلية لارتكاب حماقة من هذا النوع، أعني إنشاء مجموعات مسلحة تستهدف الأمن السوري، لاسيما أن الإخوان هم الأكثر فرحا بانتفاضة الشعب السلمية، تماما كما كان حال حركة النهضة في تونس.

والنتيجة أننا إزاء محاولة لضرب الانتفاضة الشعبية وليس الاستجابة لمطالبها التي لا يعدو إلغاء قانون الطوارىء أن يكون واحدا منها لا أكثر. ففي بيان نشره نشطاء سوريون على الإنترنت نعثر على وعي شعبي متقدم لا تستجيب له الخطوات الرسمية، فقد جاء في بيان أسماه معدوه البيان رقم واحد أن الشعب السوري يؤكد أن «ثورته سلمية تطلب حقا مشروعا في الحرية والكرامة، وبدولة مدنية ديمقراطية يسود فيها العدل والقانون، وتحقق المساواة لجميع أفراد الشعب السوري ولجميع طوائفه». وأضاف «إن الشعب السوري يرفض كل المحاولات التي تسعى لنشر الطائفية، كما ينفي أن تكون لثورته أي ارتباطات خارجية، ويؤكد أنه سيبقى جسدا واحدا ينتمي إلى الوطن ويسعى إلى رفعته وحفظه».

هذه هي خلاصة مطالب الشعب السوري، والتي وردت على نحو أكثر تفصيلا (14 بندا) في بيان علماء مدينة حمص التي تعرضت لاستباحة خلال الأيام الماضية، بينما كان ردها على السلطة قويا وصريحا لا يتراجع أمام سطوة الأمن. إنها مطالب لن تحملها إصلاحات شكلية، بل دستور جديد يليق بسوريا وشعبها العظيم بكل مكوناته.

أما الحديث عن قاعدة أو سلفية جهادية وإخوان مسلمين وتمرد مسلح، فلن يجدي نفعا مع شعب مثقف مثل الشعب السوري، فضلا عن حكاية المؤامرة الخارجية حتى لو توفرت بعض التدخلات محدودة التأثير. وإذا أراد النظام من خلال خطاب كهذا الالتفاف على المطالب الشعبية، فليعلم أنه يحرث في البحر، بدليل أن هذه التجربة لم تفلح في اليمن، ولم تفلح في ليبيا، ولا في تونس ومصر قبل ذلك.

ثمة مطالب واضحة وعادلة ومشروعة ينبغي أن يُستمع لها، وقد كان الأمل أن يعلن النظام أول ما يعلن عن إلغاء المادة 8 من الدستور التي تنص على أن حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع، لأن هذا الإعلان هو المؤشر الوحيد على نوايا الإصلاح التي لن تكتمل من دون دستور جديد كما أسلفنا، أما عدا ذلك فسيكون بلا قيمة، حتى لو تحدث عن قانون أحزاب جديد لن يعني على الأرجح سوى استنساخ لديمقراطية الديكور التقليدية عند الأنظمة الأخرى، وحيث يسيطر الحزب الحاكم على كل شيء، وإلى جانبه أحزاب بلا وزن ولا قيمة يحدد هو حصتها من مقاعد.

الوقت يمر ومطالب الناس ترتفع بالتدريج، ولن يمضي وقت طويل حتى تتوحد جميع الشعارات في شعار واحد (الشعب يريد إسقاط النظام)، وعندها سيكون الرد بتصعيد القمع، وبعد ذلك معروف إلى حد كبير في زمن لا يسمح بقتل الناس في الشوارع دون حساب.