الثورة هي رفض الأوضاع القائمة بشكلٍ عنيف أو سلمي، وأحدث صورها السلميَّة الثورة المصرية- التونسية، ويثور الجدل حول ضرورة الثورة وعدمه.
نقطة البداية في التحليل هي أن الأوضاع المتدهورة سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا في العالم العربي لا يمكن أن تستمرَّ وقد وصلت إلى مرحلة الاختناق مع استمرار ضغوط الحياة وعدم اكتراث النظم بأنَّات المواطنين وملاحظات المعارضة أو نقدها وانسداد كل أفق للحوار الجاد، وافتقار النظم نفسها إلى الجديَّة الواجبة، مع استمرار نهب الموارد والفساد وظهور أجيال جديدة من الشباب لم تعد تقبل بما قبله آباؤهم، لأن تطوّر التكنولوجيا ووسائل الاتصال كشفت لهذه الأجيال عن آفاق واسعة للمعرفة والتواصل، والآمال في مستقبل أفضل، فتخلخلت السلطة التقليديَّة التي بدت عاجزة عن الإجابة عن السؤال الملِحّ وماذا بعد؟
في ظلِّ هذا المناخ ظهرت أنماط عجيبة من الجرائم التي وقعت في منطقة حميمة من الروابط التقليديَّة، فافتقد الإنسان دائرة الأمان، وهي الأسرة، فضلًا عن ممارسات بشعة في سلوك الناس، وشيع التوتر فيما بينهم حيث انتقلت شحنة الغضب بسبب العجز عن مواجهة كانت تحميها يومًا روابط الدم والنسب.
هذه الانهيارات في سلطة الدين والأسرة والقيم وانقلاب المجتمع على تقاليده وقيمه الاجتماعيَّة أدَّى إلى انفلاتٍ في الكثير من أنماط السلوك، زاد من ذلك أن السلطة أبدت تجبرًا وقهرًا وظلمًا وتعسفًا وعنجهيَّة وصعد إلى قمتها كل طامع وفاسد وفاقد لأبسط مبادئ التربية.
هكذا تهيَّأ المجتمع للانفجار غير المنضبط، وتلك أبشع ما كنا نتحسَّب له، فتنطلق الغرائز الإنسانيَّة في أدنى درجاتها، ويصبح الانفلات الجمعي ذا طابع قطيعي يسعد السلطة التي نجحت في توجيه طاقة الغضب ومسارات الصراع إلى المجتمع نفسه فيتلهَّى عن خطايا السلطة وفسادها، وسواء كانت السلطة قد جفَّفَت طرق التعبير والشكوى أو كانت قد فتحت جانبًا منها، كما حدث في مصر، فإنه في الحالين، كان موقف السلطة يتسم بالخسَّة والمناورة والقمع والقسوة.
والغريب أن الحاكم الفاسد استخدم أدوات القمع من رجال الأمن الذين تربَّوا على القسوة وكراهية الشعوب، وبلغ في مصر نجاح الأمن في مجال التعذيب أن تم تأجير خدماتهم للولايات المتحدة، كما تعاون الأمن المصري مع الصهاينة في قمع الفلسطينيين، وأُنشئت سجون سريَّة للتعذيب واستنطاق الضحايا بكل وسائل التعذيب الفاجرة.
فلمَّا ضاقت بالناس الأرض بما رحبت وفجر أهل السلطة إزاء عذاب الشعب وأنَّاته التقت إرادة الله مع إرادة الخلاص من هذا الوضع، وتم ضبط السلوك في مظاهرات سلميَّة امتصَّت كل مظاهر الغضب، وتوجّه المجتمع كله بديلًا عن الانفجار والانتحار إلى هدفٍ واحد ثابت، وهو الخلاص من النظام ورأسه الفاسدة التي تحوصلت حولها كل صور الفساد والقهر.
ولا شكَّ أن السهام الحادَّة لكتابات الكتاب والممارسات الباطشة للسلطة، والمظالم في كل مكان واحتقار السلطة للقانون والدستور وأحكام المحاكم، مع الكشف المستمرّ عن جرائم النهب والإضرار بالمجتمع وصحته ونهب ثرواته، وتكاثر حالات الانتحار يأسًا من أي أمل في الحياة، كل ذلك شحن المجتمع وجعل خروجه نهائيًّا ونصره مؤكدًا، فتصادمت إرادة الشعب مع إرادة السلطة في صور مأساويَّة صمد الشعب فيها، وحافظ على الطابع السلمي لثورته، فانهارت قلاع البطش والظلم ودفع الشباب أرواحهم، كما دفع المجتمع ضريبة مستحقَّة في العدد الكبير من الشهداء والجرحى وفجور السلطة بعد أن زال الخوف من قلوبهم، وخلت نفوسهم من كل احترام أو تحفُّظ تجاه سلطة ألغت العيش على عذابات الشعب وأناته، فيما كشفت عنه مداهمات أفكار أمن الدولة وبلطجيَّة الحزب الفاسد وزبانية النظام الذين لا يزالون يأملون في أن يحلَّ الظلام حتى ينتشروا مرة أخرى كالخفافيش ليمارسوا هوايتهم التي ترَبَّوْا عليها وهي القتل والتعذيب والغش والتزوير والنهب.
وقد بدت النظم العربيَّة جميعًا مدركة لانتقال عدوى الثورة إلى بلادها بعد أن أنكر بعضها ذلك، فاهتزَّت عروش النظم العربية جميعًا، ولكن هذه النظم واجهت بوادر الثورات إما بالبطش على افتراض تقليدي بأن تلك من مؤامرات الأعداء، أو تقديم التنازلات والإصلاحات التي بُحَّ صوت المصلحين عبر الأجيال للمطالبة بها.
والسؤال: إذا كان خطر انفجار الثورة يمكن توقيه بالقيام بما تطالب به الثورات من إصلاحات كما حدث في سلطنة عُمان مثلًا، وكما يحدث في الجزائر والمغرب، ومحاولات ذلك في غيرهما، فهل تحقق الإصلاحات الطوعيَّة هدف الثورة فلا داعٍ إذن لقيامها؟
سوف ينكبُّ الباحثون طويلًا أمام ظاهرة الثورة في العالم العربي، وهي الإشارة المؤكدة إلى وصول العلاقة بين الحاكم والمحكوم إلى أعلى درجات الأزمة، فتصبح الثورة هي الحل الوحيد لإزالة الحاكم، وإعادة صياغة نمط العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولكن للثورة مخاطر كما أن لها إشراقاتٍ إنسانيَّةً لا يعرفها إلا من ذاق حلاوتها ونشوتها وفي نفس الوقت فإن العرب يعيشون في منطقة تحكم الغرب في مقدراتها بما في ذلك مصير الثورة فيها، وهذا هو الذي ضغط على الحاكم العربي حتى يتراجع أمام مقدمات الثورة، فهل الثورة ضرورة رغم تقديم الإصلاحات؟ أم أن الإصلاحات دون ثورة أجدى في إعادة ترميم العلاقة من الحاكم الذي أوشك أن يفقد سلطانه بذل الثورة وتحت لهيبها، وبين المحكوم الذي استمتع بخضوع الحاكم لإرادته، رغم تعاليه واستعلائه على نفس المطالب قبل عصر الثورة؟
أظنُّ أن هذا السؤال سيظلُّ محل جدل بين الباحثين وكذلك تختلف الإجابة عليه من بلد إلى آخر، ولكن المحقَّق أن ذكاء الحاكم في تحقيق الإصلاحات السياسيَّة بالذات هو صمام الأمان حالة القطيعة بينه، وبين شعبه، وهذا يسلمنا إلى السؤال الجوهري: لماذا تثور الشعوب، ولماذا فاجأ العرب العالم وحكامهم بهذه الثورة؟