نظر الشارع الفلسطيني بعين الرضا والاطمئنان إلى عمل الأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية الفلسطينية بعد كشفها السريع عن منفذي جريمة قتل المتضامن الإيطالي ومعرفة المكان الذي تحصن فيه قتلته، وبذلها جهودا كبيرة لإنهاء هذا الملف دلت على مدى الاهتمام الذي أولته الحكومة الفلسطينية لهذه القضية التي أشعلت الغضب في صفوف المواطنين بعد أن تسلل الخوف والقلق إليهم، وباتوا يخشون على أنفسهم وأولادهم من خطر أصحاب الأفكار المنحرفة خاصة بعد قتل المتضامن الإيطالي والدعوة إلى استخدام العنف، فكان مطلب الناس للمسئولين بالعمل على قتل الفتنة في مهدها، وحفظ الوطن من أيدي العابثين.
سرعة العمل على ملاحقة مرتكبي جريمة القتل جاءت منذ اللحظة الأولى لإعلان المجموعة عن اختطاف المتضامن والتهديد بقتله عبر بث فيلم تسجيلي على الانترنت، وقد تمكنت الأجهزة الأمنية من التعرف على اثنين من أفراد المجموعة اعترفا فيما بعد على المكان الذي يتواجد فيه الايطالي المختطف، وللأسف لم تتمكن الأجهزة الأمنية من الإفراج عنه حيث قتل قبل انتهاء المهلة الزمنية المحددة، ولتبدأ الداخلية بمطاردة القتلة لتقديمهم للعدالة بعد أن ازدادت الشكوك حول أهداف الجريمة وتوقيتها فقد جاءت في سياق محاولات دولة لاإحتلال ضرب حركة التضامن الدولي مع الفلسطينيين وعرقلة قدوم أسطول الحرية إلى غزة، وإرهاب المتضامنين.
لم تكن وزارة الداخلية ومن خلال ما بينته في مؤتمراتها ترغب بأن ينتهي هذا الملف بالطريقة التي أرادها الخاطفون، فقتلهم السريع للمتضامن الدولي، وعدم استعدادهم للحوار مع الحكومة، وعدم الالتزام بالمهلة التي حددت، ورفض المفاوضات والوسطات التي جرت خلال محاصرتهم، وعدم الاستماع إلى نداءات الأهل وتذللهم لإنهاء القضية سلمياً أظهر بشكل جليّ أن الهدف الرئيس للخطف هو القتل وتنفيذ مخطط وضعوه مسبقاً والرغبة في معركة دامية، وعلى جانب آخر بينت الأحداث روح المسئولية التي تمتعت بها الداخلية لحقن الدماء وطي الملف بهدوء تام.
أثبتت وزارة الداخلية الفلسطينية خلال المحطات التي واجهتها منذ عام 2007 قدرة فائقة على إنهاء الملفات الحرجة التي تواجهها بالسرعة الممكنة وبأقل الخسائر قدر المستطاع، ولأن الخبرة العملية في التعامل مع هذه القضايا متواضعة ولأن الأطراف الآخرى غالبا ما تكون مسلحة وتعتمد على قوة التنظيم والعائلة فإن هذه العمليات تنتهي بإراقة الدماء عندما ترفض الالتزام بقوانين وقرارات الوزارة، وبعد أن تستنفذ كل المحاولات والوساطات وأساليب الحوار معها.
يحسب لوزارة الداخلية قدرتها على انجاز القضايا الأمنية بالغة التعقيد في وقت قياسي، وتمكنها من فك ألغاز أمنية بسرعة غير متوقعة وبقدرات بشرية وذاتية متواضعة، ولكن قد يكون من المناسب أكثر المبالغة في الحرص على الأرواح من خلال تمديد وقت الحوار وإعطاء الجهود السلمية والوساطات فرصاً أطول لحقن كل قطرة دم ،أو استخدام وسائل أخرى تعفي الجميع من تحمل مسئولية ازهاق الأرواح، أو بذل جهد أكبر في احتواء هذه الأطراف ومحاورتها.
على كل الأحوال فإن العملية حققت الهدف منها وطمأنت المواطنين الذين أشادوا بجهد رجال الأمن والشرطة، وما حدث يجب أن يكون رسالة للجميع بأن أمن المواطن يشكل أولوية كبيرة للحكومة الفلسطينية –كما تقول- فهي تعمل وسط حقل ألغام، ومع خصوم كثر يتربصون بها ليل نهار، ويختفون خلف أقنعة ومسميات كثيرة، ولن تسمح الحكومة كما قال الناطق باسم الداخلية لأحد أن يعبث باستقرار البلد، كما أن العناد ومواجهة الحكومة سيجلب الخسارة لأي جهة تحاول أن تستقوي بأطراف خارجية، أو تسوّق أفكاراً شاذة منحرفة بعيدة عن قيمنا ووتعاليم ديننا.