ليست الثورة تغيير شخص الحاكم. ولكن الثورة تغيير نهج الحكم. وهذا ما حصل في مصر.. في ثورة 25 يناير. لقد تغيرت الحياة السياسية بالكامل. وتغيرت المواقف وتغيرت نفسية الشعب والشرطة والسلطة. إن يوماً أو ساعات كانت كفيلة بإحداث نقلة تحتاج إلى سنوات.. بل عقوداً من المكابدة والمعاناة.. اختزل كل ذلك في أيام بل في ساعات.
ومن قبل قتل الإسلامبولي أنور السادات، فماذا صنع؟ لا شيء على الإطلاق. فقط جاءنا بحسني مبارك والفرقة الماسية بتاعته.. وجوقة اللطاشين والبلطجية والمنحطين..
كان مبارك يفسد كل شيء إفساداً مقنناً ممنهجاً مبرمجاً فجاءت الثورة تغير هذا. أقرأ تحقيقاً في مجلة الأهرام العربي العدد 732 عدد أوائل إبريل 2011 بعنوان: القمح.. ثورة مصر الثانية. والكلام كله للدكتورة زينب الديب العالمة الباحثة صاحبة مشروع اكتفاء مصر الذاتي من القمح حتى سنة 2001 أي قبل عشر سنوات، وبعد أن عملت في مشروعها سنين وحسنت تقاوي القمح، وزرعت الأرض عالية الملوحة بتقنيات وأبحاث خاصة ومعمقة، وجربت ونجحت في كل من العريش ورفح والقنطرة شرق ثم صحراء سيناء الشرقية.
واكتشفت أن في الصحراء مياهاً تكفي لزراعة مليوني فدان (حوالي 9 ملايين دونم) ولغاية 132 سنة لو لم ينزل المطر، وهي تقول إننا لم نجند من إمكاناتنا 5 في المئة فقط. وتقول إن يوسف والي (وزير الزراعة أكثر من عشرين سنة وهو الذي أفسد الزراعة في مصر وحوكم بتهم فساد، ويعتقد على نطاق واسع أنه يهودي الدين) يوسف هذا قاوم مشروعها، ولم يوزع على الفلاحين التقاوي التي أنتجتها (وقد رد عليها في العدد التالي من الأهرام..) وإنها هي تعرضت لمحاولة اغتيال، "وأن معظم الذين شاركوا في هذا المشروع ماتوا جميعاً في حوادث بشعة من بينهم الدكتور عبد الرحمن هاشم" (بالنص) وتقول للمجموعة التي حاورتها من مجلة الأهرام إنها تركت لهم شريطاً موثقاً بالصوت والصورة. وفيها أن "إبراهيم كامل" (أحد أفسد الفاسدين وأقرب المقربين من مبارك) اقترح زراعة النباتات العطرية بدل القمح.. وبالمختصر دفن المشروع وتوقفت تجارب زراعة القمح.. ببركة مبارك، والي، كامل..الثلاثي المفسد. وقد سمعت من البشير والترابي قبل 12سنة أنهم عرضوا على مبارك زراعة القمح في السودان بعمالة مصرية فرفض لعلة عدم رضا أمريكا. وفي الأهرام العدد733 قال: أمريكا تضربنا لو زرعنا القمح. واقتراح السودان كان سيحل مشكلة السكان في مصر، ويحل مشكلة الأمن الغذائي للعالم العربي كله، ويسهم في تحقيق الاستقلال الاقتصادي، فأبى مبارك ورفض العرض فور سماعه، كما قال لي من ذكرت.. وحجته: أمريكا لا تقبل.
وقال لي السودانيون: إن كوهين (أحد مفاوضي أمريكا المعروفين) وكارتر من قبله، جاءا السودان ليفاوضاها على عدم زراعة القمح وأن أمريكا مستعدة لإعطائهم القمح بسعر تفضيلي، فرفضوا (وقت أن كان في السودان ثورة قبل أن يتحول إلى نظام عربي. وبس!)
وزرع بلد عربي القمح وتعرفونه. ثم فرض عليه ألا يستمر بعد أن صدّر القمح إلى مصر وغيرها. فباع المعدات بسعر التراب. وخليها على الله. ألا ما أحوجنا فعلاً إلى ثورة القمح! والكيان الغاصب اكتفى من زمان من قمحه ولم يرض بقمح "ستّه." ولعلنا نعود إلى حديث ثورة القمح في مقبلات الحلقات.
كل هذا ينبغي أن تلفظه الثورة، وأن تكون هناك ثورة –بالفعل- في الميدان الأخطر والأهم في مصر في الميدان الأخضر ميدان الزراعة، فهنا ميدان التحرير والثورة. وبالذات زراعة القمح.
الثورة إذاً تغيير أنماط العيش وأساليب الحياة وشكل العلاقات سواء الإنتاجية أو الاجتماعية، وتغيير السياسة والسياسات. والآن إلى وقفة مع اللغة بعد الوقفة مع ثورة القمح التي لم نكمل حديثها:
قال في اللسان في معنى الجذر ثَوَرَ: "وثور الغضب: حدته. والثائر: الغضبان. ويقال للغضبان أهيج ما يكون: قد ثار ثائره وفار فائره إذا غضب وهاج غضبه. وثار إليه: وثب. والمثاورة: المواثبة. وثاوره: ساوره. ويقال: انتظر حتى تسكن هذه الثورة، وهي الهيج.
وثار الدخان والغبار وغيرهما يثور ثوراً: ظهر وسطع، وأثاره هو. قال الأصمعي: رأيت فلاناً ثائر الرأس، إذا رأيته قد اشْعانّ (بالنون) شعره أي انتشر وتفرق. (ولعل منه الشعانين، في الدارجة). وفي الحديث: جاءه رجل من أهل نجد ثائر الرأس يسأله عن الإيمان، أي منتشر شعر الرأس قائمه، فحذف المضاف، ومنه الحديث الآخر: يقوم إلى أخيه ثائراً فريصته، أي منتفخ الفريصة، قائمها غضباً، والفريصة: اللحمة التي بين الجنب والكتف، لا تزال ترعد من الدابة، وأراد بها ها هنا عصب الرقبة وعروقها لأنها هي التي تثور عند الغضب، وقيل: أراد شعر الفريصة، على حذف المضاف" ملخص ما قال: شيء مدفون ومكنون يظهر بالثورة.. كالغضب الساطع.
قلت: ما خلق الله في الإنسان شعور الغضب والاستعداد للانفجار والثورة إلا لحكمة عظيمة هي أن ينصر الحق بطاقة الغضب هذه. وأن يفجر المخزون من القوة والاندفاع ليوظّف في مدافعة الباطل، بثورة لا تبقي ولا تذر..
ولكن المؤلم الممض أن يتمكن أهل الباطل من تفجير طاقاتهم لنصرة باطلهم ومدافعة الحق ومصاولة أهله، فلا يحرك أهل الحق ساكناً حتى يصرخ فيهم حتى المغنّون يقولون: الغضب العربي وين؟ ويقولون: يا أمة العرب شيئاً من الغضب! ويرد العرب: الغضب الساطع آت.. أما الحديث: "لا تغضب"، ففي غير هذا.
في الحديث: لا تغضب من أخيك. أو من زوجك. ولا تغضب لتوافه الحياة. أما الغضب للحق فكن بركاناً ثائراً. وأما الغضب للانتهاك اليومي للأقصى، فيخفت مع تكرار المحاولات والانتهاكات، وتهدأ الثورة في غمرة الانشغالات اليومية، وأظن أن الإفقار المتعمد جزء من المخطط الشيطاني لإطفاء ثورة الغضب، وإشغال الناس عن إشعال الفتيل واللهب، ولكن كثيراً ما تخيب النتائج ولا تصيب المخططات أهدافها فينقلب السحر على الساحر. فينفجر الغضب العربي المخزّن المعتق المعمق مرة واحدة وإذ به يبلغ 9 درجات على مقياس ريختر أو آبي ديختر مدير المخابرات الإسرائيلي السابق الذي يقيس نبض الشارع العربي ويقيس درجة ثورة الغضب العربي، ويحاذر وكيانه ألا ينفجر البركان العربي في وجوههم الكالحة مغتصبة الحق العربي.
ومن رأى القذافي يقذف الحمم في خطبه، ويرمي القذائف على شعبه، وتنتفخ أوداجه وترتعد فرائصه، ويزفر دون كلام، تذكر مصارعة الثيران في حلبات مدريد وبرشلونه وبلد الوليد وغيرها من مدن الأندلس، وشبه جزيرة أيبيريا. في تلك الحلبات تجري إثارة الثور، حتى يستخرج مخزون الحقد، فيبدأ الثور بإثارة التراب بحوافره، ثم ينطلق كالرعد نحو التروبادور أو الميتادور (أي المصارع ومساعده)، فتتناوشه سهامها من كل صوب، حتى يخر الثور صريعاً بعد أن ينزف لساعة من الزمان تستمر خلالها الحلبة في منتهى الإثارة، والجمهور مستثار لا يقر له قرار، والمصارع يتأرجح بين الحياة والموت، فأي خطأ قد يودي به، وهو يقترب بمنديله الأحمر من قرون الثور ليستثيره أكثر، ليستنفد قواه، وليغرس مزيداً من السهام في ظهره.. وقد يطوح به الثور في نطحة من قرونه فيقذفه أرضاً، وقد يقتله بدوس حوافره.
الحياة بلا تهويل ولا مبالغة حلبة مصارعة، والخطأ غير المحسوب قد يطيح بشعوب، كنكستنا في سنة67 التي ما زلنا نعاني منها بعد خمس وستين سنة ولا ندري متى نستجمع غضبنا وثورتنا وقوتنا ونقذفها حمماً على المعتدي المتحدي فنطيح به في أرض حلبة الصراع.. كما يطيح الثور على يد الثوار.. كما حصل في مصر الأحرار بالعزيمة وبالإصرار من قبل الشباب الثوار. وإنها لثورة حتى تحقيق الانتصار. كان هذا هو الشعار لفتح الثوار قبل أن تتحول لمكتب توظيف وخدمات تسهيل مهمة الاستعمار.. في مقاومة المقاومة والثوار. ولنا مع الثورة واللغة عود أحمد.