أظن أنني عرفته، وقربت منه، والتقيته في مناسبات عدة، أهمها كصحفي يبحث عن الجديد في عالم المعلومات السياسية المتعلقة بالوضع الفلسطيني وبحركة حماس، خاصة أنها في تلك الفترة كانت محط أنظار وسائل الإعلام العالمية والمحلية والإقليمية، وأظن أنها لازالت كذلك حتى اللحظة، بل لربما زاد الاهتمام بها في الفترة الأخيرة.
ما اتصلت به يوما إلا رد على الهاتف، وما طلبت منه لقاء إلا استجاب له، فهم طبيعة الإعلام وأهميته وأدرك ضرورة التواصل معه، وما آمن يوما بإغلاق هاتفه في وجه وسائل الإعلام، وعرف كيف يتعامل معها، فكان خير من استغل تلك الثواني أو الدقائق التي يلتقي بها بالصحفيين ووسائل الإعلام من أجل الدفاع عن الشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه قبل الدفاع عن حماس ومواقفها، فكان من أحب رجالات حماس للصحفيين والإعلاميين، إذا استقبلهم كان مبتسما ضاحكا ممازحا صابرا على مستلزمات العمل الصحفي من كاميرا وإضاءة وغير ذلك، وما أجمل التمر الذي كان يقدمه بيده عندما كنا ندخل إلى بيته.
إنه الشهيد القائد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، الذي مرت يوم أمس ذكرى استشهاده السابعة، وعندما نتحدث عن الرنتيسي لا نتحدث لأننا نحب تمجيد الأشخاص، أو أن نصنع منهم تماثيل، وإنما نذكر مواقفهم ودورهم من أجل الاقتداء بهم ، ولمن سيأتي بعدهم، في ظل نسيان البعض، ممن في مكانته الآن، لدورهم وما يجب أن يكونوا عليه، لطبيعتهم الشخصية أو نتيجة الضغوطات والانشغالات والمسئوليات الملقاة عليهم.
الرنتيسي رحمه الله أرسى قواعد كثيرة في التعامل، سواء مع إخوانه في حركة حماس أو مع الفصائل والقوى الفلسطينية أو مع سلطة أوسلو، أو مع الاحتلال الصهيوني، وسأذكر هنا موقفاً له مع قائد سجن النقب الإرهابي ( شالتي أيل ) إن لم تخني الذاكرة، عندما دعا قيادات الأسرى في سجون الاحتلال، عندها جمع الاحتلال هؤلاء القادة في غرفة أعدت للقاء، وعندما دخل هذا الإرهابي ومن معه من ضباط وجنود إلى الغرفة، وقف كل قيادات الأسرى إلا الدكتور الرنتيسي الذي رفض الوقوف له، وليس ذلك فحسب بل رفض مصافحته، موقف صحيح أن الدكتور دفع ثمنه من حريته وهو معتقل، حيث أمر عقب الاجتماع ( شالتي أيل ) بعزل الرنتيسي في زنزانة منفردا، وكانت عبارة عن( كرفان ) من الحديد في قسم ( ج )، إلا أنه موقف صدر عن قناعة وإيمان من قبل الرنتيسي أن هذا مجرم ملطخة يده بالدماء الفلسطينية، لا يمكن أن يضع يده في يده، ورغم الم العزل ألا أن الرنتيسي حولها إلى منحة مستغلا، هذا الحبس الانفرادي لإكمال حفظ كتاب الله.
للرنتيسي موقف كان مشهودا في تحريم الاعتقال السياسي، عندما رفض تسليم نفسه للسلطة عندما حاصرت منزله في حي الشيخ رضوان ( جنوب الجسر ) وحاولوا اقتحامه؛ ولكنه وقف مدافعا رافضا متحصنا بهبة الجماهير الفلسطينية التي شكلت درعا واقيا في وجه أجهزة السلطة ومنعتها بأجسادها من الاقتراب من المنزل، ومنذ تلك اللحظة انتهى الاعتقال السياسي للرموز والقيادات.
ولعل من نافلة القول وذكر المناقب؛ أن الرنتيسي عرف عنه أنه كان في الليالي التي يتعرض لها شرق غزة لعمليات اجتياح من قبل قوات الاحتلال كان يخرج إلى شوارع المدينة القريبة من خط التماس مع المحتل، ممتشقا سلاحه، حارسا لأهله وشعبه مدافعا عنهم، يخرج ليكون في مواجهة المحتل لو فكر بالدخول إلى شوارع المدينة.
مهما تحدثنا عن مناقب الرنتيسي لا نعطيه حقه، وحديثنا عنه لا لحاجة لنا نبتغيها من أحد، ولكننا أحببنا هذا الرجل، كما أحببنا إخوانه من المجاهدين الشهداء منهم والأحياء، حبا من أجل الله، وامتثالا لقول رسول الله (إذا أحب أحدكم أخاه فليبلغه أنه يحبه)، وها نحن اليوم نبلغه حبنا وهو شهيد، كما أبلغناه إياه وهو حي.
رحم الله الرنتيسي رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وإخوانه من الشهداء أجمعين.