ما وراء جريمة قتل المتضامن الدولي "اريغوني"

نشر 16 ابريل 2011 | 02:45

حالة الهدوء التي عاشتها غزة خلال السنوات الماضية أزعجت دولة الإحتلال التي عملت بكل قوة لتشويه صورتها والزعم أنها منطقة "ارهابية" تحوي حكومة "ارهابية"، وأن المواطنين فيها مجموعة من "الإرهابيين" انتخبوا حركة "ارهابية" تحكم بالحديد والنار.

 

وطيلة الفترة الماضية روج الإعلام الصهيوني من الأكاذيب والاشاعات التي تعزز ادعاءته فقال إن عناصر من القاعدة وصلوا غزة، وأن الصواريخ التي ضربت "ايلات" انطلاقاً من سيناء المصرية كانت بتخطيط وتنفيذ أشخاص من غزة، وادعى أن أشخاصاً يخططون لخطف مستوطنين في الاراضي المصرية وادخالهم عبر الأنفاق الى غزة ، وروج أن غزة أصبحت مخزناً للسلاح وبؤرة للإرهاب....وهكذا ظلت الماكنة الإعلامية الصهيونية تعمل لتشويه صورة غزة ومقاومتها ورسم صورة سوادوية عنها في نظر العالم.

 

لم يلتفت أحد إلى هذه الأكاذيب رغم استمرارها، وظل القطاع محطّ أنظار أحرار العالم الساعين لكسر الحصار وفضح جرائم الإحتلال خاصة بعد أن أثبت تقرير غولدستون أن الكيان مارس جرائم حرب ضد المدنيين الأبرياء، فنشطت حركات التضامن مع غزة، وسيرت قوافل فك الحصار من كل الدول، واصبحت غزة مركزاً لوكالات الأنباء االعالمية وكبار الإعلاميين الذين اطمئنوا لحالة الهدوء والاستقرار السائدة فيها، واستدعت حالة الأمن وحرص الحكومة على تثبيت الأمن زيارة وزراء خارجية عدة دول غربية ومسئولي مؤسسات دولية على رأسهم "بان كي مون" و"توني بلير" وغيرهما، وأشادت تقارير إخبارية عديدة بالحماية التي وفرتها الحكومة للمؤسسات الدولية والشخصيات الغربية والصحفيين والمتضامنين الأجانب، ولم يسجل أحد خلال السنوات الماضية حادثة تعكر هذه الأجواء

 

وأمام حركة التضامن الدولية مع غزة، وتفاعل الأحرار مع أهلها واستمرارهم في ملاحقة قادة الإحتلال والمطالبة بمحاكمتهم، وأمام إصرار منظمي قافلة أسطول الحرية الثانية على مواصلة العمل لفك حصار غزة، وأمام فشل دولة الإحتلال التي استخدمت الوعد والوعيد وعلاقاتها الخارجية وكافة أشكال الضغط على آوروبا كالزعم أن القوافل تقل ارهابيين وتحمل أسلحة..الخ فإن دولة الإحتلال قد منيت بفشل كبير، وجوبهت باصرار على مواصلة الجهود الدولية والشعبية لكسر الحصار والاستمرار في العمل السلمي ضد دولة الإحتلال.

 

في ظل هذه الأجواء جاءت جريمة اختطاف وقتل المتضامن الدولي الإيطالي "فيكتور اريغوني" على يد مجموعة فلسطينية وصفت بأنها منحرفة فكرياً وخارجة عن قيم وعادات شعبنا، وبالنظر في توقيت وظروف هذه الجريمة وفي طبيعة الشخص المستهدف فإننا نقف على دلالات مهمة تدل على أن ما حدث لم يكن أمراً عشوائياً، وأن الجريمة لم تهدف إلى تحقيق مطالب معينة كما أشار الخاطفون، فاختيار المتضامن الإيطالي الذي وصل غزة للتضامن معها عام 2008 وبقي بغزة حتى مقتله، وهو معروف بحبه للفلسطينيين ومشاركته في المسيرات الحدودية ويقف إلى جانب المزارعين والصيادين، وله كتابات مؤيدة لحقوقنا، يدلل على أن هناك أطرافاً خارجية تريد قتله مع سبق الإصرار وتقليل الأثر الإيجابي الذي يتركه، وبالتالي فإن اختياره لم يكن عبثياً أو صدفة.

 

وتأتي الجريمة في ظل الجهود المحمومة التي يبذلها الكيان لمنع وصول المتضامنين إلى غزة خاصة وأن مطالبه لآوروبا بمنع الانتساب لقافلة الحرية لم تتوقف، وبالتالي فإن توقيت الحادثة لم يأت أيضا صدفة وقد يشوش على الجهود المبذولة لإنجاح حملة التضامن المتواصلة.

وبالتأكيد فإن دولة الإحتلال واعلامها سيستغل ما حدث لإعادة تصدير ما كان قد فشل فيه سابقاً، والقول إن غزة تحوي عناصر القاعدة، وأنها ليست آمنة، وأن هناك خطراً محدقا بالمتضامنين القادمين في اسطول الحرية، وقد يقوم ببعض الأعمال الأخرى وينسبها لأشخاص وجماعات معينة، كما أن الجريمة تأتي في ظل تلويح الإحتلال بحرب جديدة على غزة وبالتالي فإنه سيستثمر ذلك في ارهاب الصحفيين ويحاول اخافتهم وارهابهم ليرتكب مزيداً من المجازر بعيداً عن عيونهم.

 

لا يمكن ختاماً أن نمر على استنكار ورفض كافة قطاعات شعبنا الرسمية والفصائلية والأهلية وحتى الجماعات السلفية لهذه الجريمة مرور الكرام، فالإجماع على أن ما حدث يتنافى مع تقاليد وأعراف شعبنا ومبادئنا الوطنية وتعاليم ديننا يدلل على أن أيدٍ صهوينية عابثة قد تدخّلت، واستغلت ظروف بعض الشباب لتحقيق أهدافها، وقد تكشف الأيام العديد من الحقائق الغائبة والأسرار المجهولة.

ولذلك فإن هناك عملاً كبيراً مطلوباً من الحكومة والإعلام وكافة الجهات المعنية للتصدي لمحاولات التغرير بشبابنا، وتوعيتهم، والعمل على تنقية عقولهم من الأفكار الشاذة والمنحرفة.

علينا أن نقف مجدداً أمام محاولات الإحتلال هدم صفنا، واختراقنا من الداخل، وتشويه صورة نضالنا، فما حدث لا يعبر عن حقيقة شعبنا الذي يحترم أصدقاءه ومحبيه ومناصريه، ويصون دماءهم ويوفر الحماية والأمن لهم، وليس من شيم من قدّم الشهداء والجرحى أن يطعن ظهر الذين وقفوا إلى جانبه وضحوا من أجله وقطعوا المسافات لنصرة قضيته.