الخروج من سجن وادى النطرون

نشر 13 ابريل 2011 | 04:15

هذا هو اليوم السادس للثورة، لم يكن يخطر ببالنا أننا سنؤرخ للثورة ببداية يوم 25 يناير 2011م.

 

قضيت الأيام الثلاثة الأولى مع قيادة الإخوان نرتب للثورة ونتابع الأحداث ونراقب التطورات، ونستعد لما بعدها، ونفكر في المستقبل. باختصار كانت سياستنا هي التطور مع الحدث ومحاولة استباقه.

 

كان آخر نشاط لي يوم 27 /1 (الخميس ليلاً) هو لقاء مع د.البرادعي حضره د.الكتاتني ود.عبدالجليل مصطفى ود.أبو الغار، مع الشباب ود.مصطفى النجار، وعبد الرحمن سمير وعبدالمنعم إمام.

 

وقضيت الثلاثة أيام التالية (28، 29، 30) في محبسي الذي بدأ بمديرية أمن محافظة 6 أكتوبر ثم انتقلنا (34 من قيادات الإخوان المسلمين) إلى سجن وادي النطرون، كانت هذه أقصر فترة سجن أقضيها وراء الأسوار، حيث لم تتجاوز 58 ساعة فقط.

 

وكان من قدري أن أعيش فيها لحظات تاريخية بحق، وهي هروب المساجين من السجون والتي هي محل تحقيق الآن، وقد هاتفني أحد العاملين بالمجلس القومي لحقوق الإنسان من اللجنة المختصة لتقصي الحقائق عن هروب المساجين من العديد من السجون، وهل هناك شبهة جنائية أو تواطؤ أم هو إهمال فقط؟ وهل خرج المساجين بقرار سيادي من الوزير أو مساعده؟

 

أم أن التمرد حصل نتيجة الانهيار المفاجئ لجهاز الشرطة بعد حديث مبارك مع العادلي وسقوط مئات الشهداء ونزول الجيش؟

 

رغم الاتفاق على اللقاء إلا أنه لم يتم حتى كتابة هذه السطور.

 

بدأت الأحداث بعد منتصف الليل بقليل، حيث تسرب إلى عيوننا الغاز المسيل للدموع والذي كانت قوات الحرس تطلقه على عنبر بجوارنا، واستيقظت في موعدي المعتاد، توضأت واستعددت لصلاة التهجد.

 

قبل الدخول في الصلاة مررت على الزنازين أطمئن على الإخوان وأبحث عن الراديو الوحيد الذي استمعت إلى آخر نشرة منه قبل نومي مبكراً، وجدت البعض يصلي والبعض نائماً مطمئناً والبعض يستعد للصلاة ولم أجد الراديو.

 

وفرشت سجادة الصلاة في الممر وليس في الزنزانة، كي لا أزعج زميلاي في الزنزانة (د.عماد شمس وآخر لا أذكر اسمه) فإذا بباب نصف مفتوح والصول حسام يقف أمام باب العنبر يستجدي زملاءه بالخارج عبر جهاز اللاسلكي أن يفتحوا له الباب قائلاً لهم بصوت واهن ضعيف "اللي هيجري عليكم يجري علي".

 

وقفت بجواره مندهشاً من المشهد الذي حاولت التعرف عليه من كوّة الباب وكانت من زجاج مزدوج أو مثلث غير قابل للكسر لا تستطيع الرؤية منه إلا بصعوبة شديدة.

 

رأيت الجنود بدروعهم البلاستيكية وبنادق إطلاق الغاز، وبنادق عادية لا أدري إن كان بها ذخيرة أم لا، وسحب دخان الغاز تتصاعد، والبعض فوق سطح المبنى الإداري المواجه للعنبر.

 

كانت أشبه بمعركة فيها "كر وفر"، يتقدم الجنود بقيادة ضباط السجن إلى الأمام ثم يتراجعون سريعاً، الظاهر أن المساجين والمعتقلين كانوا يقذفون بالحجارة.

 

على التوالي كنت أستمع إلى أصوات من داخل العنبر المجاور تدق على الحوائط وكأنها تريد إحداث ثغرة للخروج.

 

عندما دخلنا العنبر ليلة السبت كان به اثنان من طلاب الإخوان من المنوفية معتقلان بسبب نشاطهم الجامعي.. سألناهم عن سكان العنابر التي بها تمرد فقالوا إنهم من جماعة التكفير وأعضاء من الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد.

 

كان باب التريض الشمالي مفتوحاً، فخرجنا لنستطلع الأمر فكان الصوت أعلى صخباً والغاز المسيل للدموع أكثر تأثيراً رغم الهواء الطلق.

 

كنا نتناوب بين الصلاة ومتابعة الموقف، وخرج الصول (المساعد) دون ملاحظة أحدنا فأصبحنا وحدنا وليس معنا حراسة، واتضح أن القوات في سبيلها إلى ترك السجن لقدره المحتوم.

 

استمعت إلى إذاعة البرنامج العام في نشرات الصباح عقب صلاة الفجر، فإذا بخبر مثير للدهشة عن اغتيال اللواء محمد البطران مدير عام سجن الفيوم، وكأنها إشارة مرسلة إلى السجناء والنزلاء في كافة السجون للتحرك ضد إدارات السجون.

 

شكلنا لجنة من أعضاء المكتب السبعة لإدارة الأزمة ومحاولة فهم ما يحدث والبحث عن السبل الكفيلة لإنقاذ الإخوان من أي مخاطر محتملة.

 

لم يكن يخطر ببالنا إطلاقاً أن هناك انفجاراً داخلياً في كل السجون على مستوى القطر، وأن التمرد له أبعاد لا نعلمها بسبب انقطاعنا التام عن الأخبار.

 

فوجئنا في الثامنة والنصف صباحاً بخروج المساجين من العنابر المجاورة لنا إلى فناء السجن وبدأنا بالنداء عليهم وصعد الشابان إلى السور للاستنجاد بهم لأننا لا نعلم هل علموا بوجودنا أم لا؟

 

فعلاً استجاب بعضهم لنا وبدؤوا في العمل على فتح باب العنبر، وقام أحدهم بإلقاء تليفون محمول للاستعانة به في الاتصالات الخارجية للاستعانة بأهلنا؛ لأن الخطر شديد والبلد في حال ثورة وهناك شهداء سقطوا من يوم الجمعة وبدأنا نستقي الأخبار الخطيرة عبر التليفون، وكان لابد من حضور أحد من أهلنا أو الإخوان لنقلنا إلى مكان آمن.

 

قبيل صلاة الظهر كان الباب قد تم كسره من الخارج، وكنا أعددنا أنفسنا للخروج بحزم حقائبنا وإعداد أنفسنا للخروج، وماذا سنقول للإعلام الذي سيبادر بالاتصال فوراً.

 

في هذا الوقت كان أقرب الأهالي لنا هم إخوان وادي النطرون وإخوان مدينة السادات، فاتصلنا بهم للاستعداد للحضور ببعض السيارات لحملنا إلى بيوتنا.

 

فرشنا البطاطين لصلاة الظهر وقمنا بالتنفل والدعاء والابتهال إلى الله أن يلطف بالبلاد والعباد وأن يحفظ بلادنا ودعوتنا وأولادنا وزوجاتنا في هذه الظروف الدقيقة.

 

قبل الأذان بعشر دقائق أو خمس دقائق انكسر الباب وقررنا تأجيل الصلاة وأن نجمع الظهر مع العصر عند وصولنا إلى مكان آمن.

 

خرجنا قلقين جداً، وجدنا الإدارة محطمة الأبواب، بحثنا عن أوراقنا وبطاقات الرقم القومي، لم نجد شيئاً، هربت الإدارة جميعها، لاحظنا سيارة شرطة محروقة ولاحظنا أن بقية العنابر -عددها الكلي 4 عنابر- كان قد خرج قبلنا عنبران ونحن، وبقي الرابع الأخير وبه مساجين جنائيون، استنجدوا بنا لمساعدتهم تركنا لهم كل الأدوات الممكنة ولكن لم يكن لدينا خبرة بهذا الأمر.

 

انطلقنا مسرعين إلى الخارج، وجدنا على الطريق مئات المساجين من بقية سجون منطقة وادي النطرون على الطريق يحاولون ركوب أي عربة تسير في الطريق ولا يستجيب لهم أحد.

 

مررنا أثناء عودتنا بعد تناول غذاء سريع في مدينة السادات على نقاط تفتيش عسكرية عند بوابات الخروج من الطريق الصحراوي، أطلقت على سيارتنا النيران في الهواء، لكننا كنا نلبس ملابس مدنية حيث لم نستلم ملابس السجن وكانت ملابسنا معنا، وقلنا لهم نحن أطباء، كنت مع سيارة يقودها زوج ابنتي الطبيب ويحمل هويته، وتركت ابني وزوج ابنتي الآخر ليحملوا بسياراتهم آخرين إلى أقرب مكان آمن.