تشير الكثير من الدلائل على أن الجدل الإسرائيلي بشأن آفاق التصعيد العسكري ضد المقاومة في غزة قد حسم، وعلى ما يبدو فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد اختار "حلاً وسطاً" بين البدائل التي قدمت له بشأن التعامل مع المقاومة في غزة. فمن المعروف أن هناك في "إسرائيل" من ينادي بشن حملة برية واسعة النطاق على غزة بهدف تدمير ما يعرف بـ"البنى التحتية للمقاومة"، وتحديداً لدى حركة حماس، وهناك من ينادي بعدم تجاوز القواعد التي حكمت التهدئة غير المعلنة بين الفصائل و"إسرائيل".
وحسب التقرير الذي نشره رون بن يشاي المعلق العسكري لموقع "واي نت" الإخباري، فإنه في ختام عدة اجتماعات عقدها المجلس الوزاري المصغر لشؤون الأمن، والمعروف بـ"السباعية" تقرر أن يتم تكثيف عمليات الاغتيال ضد قادة ونشطاء "كتائب الشهيد عز الدين القسام"، الجناح العسكري لحركة حماس. ويقول المنطق الإسرائيلي –حسب ما جاء في تقرير بن يشاي– أن تكثيف عمليات الاغتيال يأتي من أجل استعادة الردع الذي راكمته "إسرائيل" في أعقاب الحرب الأخيرة على القطاع، وفي نفس الوقت إجبار حماس على منع الفصائل الفلسطينية الأخرى على إطلاق الصواريخ على المستوطنات اليهودية المحيطة بالقطاع. وحسب ما جاء في تقرير يشاي فإنه في حال قامت حماس بالرد على التصعيد الإسرائيلي، فإن الجيش الإسرائيلي سيعمل على تصفية القيادات السياسية في حركة حماس. وينقل يشاي عن دوائر التقدير الإستراتيجي الإسرائيلي قولها إنه تبين أن سياسة الاغتيالات تنطوي على طاقة ردعية في مواجهة حركة حماس. "إسرائيل" على كل الأحوال ترى أنه في ظل التحولات التي يشهدها العالم العربي وفي ظل تدني مكانة "إسرائيل" الدولية، والعزلة التي تعيشها منذ انتهاء الحرب، لا يمكنها أنها أن تشن حملة برية واسعة، تدرك أنها ستؤدي إلى سقوط عدد كبير في صفوف المدنيين، ما سيؤدي إلى دفعها إلى عزلة أشد.
بيئة التصعيد
على الرغم من أنه من المستحيل التحقق من مدى دقة المعلومات التي تضمنها تقرير بن يشاي، فإن هناك أساس للاعتقاد أنها أقرب للواقع، حيث أن هناك شبه إجماع داخل الحكومة الإسرائيلية على الرد بشكل "صارم" على ما يعتبره الصهاينة تصعيدا كبيرا، سيما في أعقاب قيام "كتائب القسام" بقصف المستوطنات اليهودية قبل ثلاثة أسابيع. فإن نظرنا إلى تركيبة "السباعية" فإنه يتضح أن السفاح براك، الذي قاد الجيش الإسرائيلي خلال الحرب الإجرامية على قطاع غزة أواخر عام 2008 يعتبر "الحمامة" الوحيدة بين "سرب من الصقور". ليس هذا فحسب، بل إن المعارضة الإسرائيلية ممثلة في حزب "كاديما" التي كان من المفترض أن تكون أكثر تحفظاً على التصعيد العسكري، سيما في ظل الجمود السياسي، تزاود على نتنياهو عبر دعوتها لتصعيد العمليات ضد حركة حماس، وتصفية قياداتها. وإذا أخذنا بعين الاعتبار موقف الجيش والمخابرات الإسرائيلية المتحمس للتصعيد بشكل تقليدي، فإنه يمكن القول إن هناك بيئة مساعدة على دفع نتنياهو "الحذر والمتردد" بطبعه على التصعيد. ومن نافلة القول أن الرأي العام الإسرائيلي الذي يلحظ الحماسة التي يبديها السياسيون تجاه التصعيد على غزة، يمارس بدوره ضغطاً على نتنياهو للدفع نحو التصعيد. إن نتنياهو يعاني من تدهور شعبيته لأسباب كثيرة، لذا فهو معني بالتدليل على أنه لا يقل "جدارة" من سابقيه في شن العدوان على الفلسطينيين.
استعادة زمام المبادرة
لقد أدركت "إسرائيل" أن المقاومة وعلى رأسها حركة حماس أحبطت محاولاتها تغيير القواعد التي تضبط التهدئة غير المعلنة بين الجانبين، وقد أدى هذا الواقع إلى جملة من الانتقادات التي تعرض لها نتنياهو، من هنا فإن أي تصعيد محتمل ضد حماس سيأتي لمحو هذا الانطباع، ولمحاولة الإثبات للفلسطينيين أن "إسرائيل" وحدها القادرة على تحديد قواعد التهدئة في القطاع.
بالطبع، هناك العديد من المحاذير التي يضعها صانع القرار في "إسرائيل"، فـ"إسرائيل" ستشن حملة برية في حال لم تنجح في إجبار المقاومة على عدم الرد.
صحيح أن هناك الكثيرين داخل "إسرائيل" الذين يحذرون من مغبة شن عدوان كبير على القطاع في ظل التحولات التي يشهدها العالم العربي، لكن في المقابل هناك قطاعات واسعة من دوائر الحكم في تل أبيب تقول إنه إن كانت "إسرائيل" معنية بالقضاء على قدرات المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة فإن هذا هو أفضل وقت مناسب لتحقيق هذا الهدف، على اعتبار أن الأوضاع لم تستقر بعد في العديد العواصم العربية التي شهدت ثورات تحول ديمقراطي، والجماهير العربية لا زالت منشغلة بالأوضاع التي خلقها الواقع الجديد، سيما مصر، وبالتالي فإنه في حال تأخر التحرك الإسرائيلي للانقضاض على المقاومة الفلسطينية، فإن هذا قد يتزامن مع استقرار الأوضاع العربية، وبالتالي فإن هناك احتمال أن تكون ردة الفعل العربية الجماهيرية على التحرك الإسرائيلي كبيرة وغير متوقعة. لذا فإن أصحاب هذا الرأي يستعجلون ضرب المقاومة الآن، وليس تأخيره.
ولا يمكن بكل تأكيد تجاهل دور تراجع القاضي ريتشارد غولدستون عما جاء في تقريره المتعلق بالحرب على غزة، فهذا التراجع وفي هذا الوقت بالذات جاء -كما ورد في صحيفة "معاريف"- من أجل ضمان عدم تقديم ضباط وجنود "إسرائيل" الذين شاركوا في الحرب الأخيرة لمحكمة الجنايات الدولية، وبالتالي فإن موقف غولدستون -بغض النظر عن عدم أخلاقيته ورخصه- يصب في صالح المنادين بالتصعيد ضد المقاومة.
ومع ذلك لا يفوت المنادين بالتصعيد الإقرار بأن هذا السيناريو سيؤدي إلى وضع مئات الآلاف من المستوطنين في محيط القطاع تحت رحمة صواريخ المقاومة، علاوة على أن ذلك سيمثل مساً بفرص التوصل لصفقة تبادل الأسرى مع حركة حماس.
بغض النظر عن مآلات الأمور على أرض الواقع، فإن هناك مسوغات موضوعية وجدية لأن تبدي المقاومة الفلسطينية أقصى درجات الحيطة والحذر وأن تعي مرامي التصعيد الإسرائيلي، وأن تقيس الأمور بمقياس من ذهب، وأن تكون خطواتها مبنية على حسابات دقيقة وموضوعية وعدم الانجرار للمربع الذي يرسمه الاحتلال، سيما فيما يتعلق بمكان وتوقيت وظروف المواجهة، وهذا ما يفترض أن يكون قد تم استنتاجه من المواجهات السابقة.