الإعلام العربي وبن علي

نشر 11 ابريل 2011 | 06:07

ملاحظة قبل أن تقرأ. كُتب هذا المقال في حينه، أعني في وقته المناسب، وداهمتنا أحداث دفعت هذا المقال إلى الوراء.

 

وننشره اليوم للتاريخ، ولأن بن علي وعلي وباقي الفرقة على سوية واحدة. ولنعلم كيف تصنع الأصنام.. من عينات تافهة.

 

1- بنعلي الحقيقي.. والصورة.

بنعلي كان يصور في إعلام بلده أنه ليس رمز الإصلاح فحسب، وإنما هو عينه. والإعلام العربي في موضوع بنعلي لم يكن محايداً، لا قبل الثورة ولا بعدها. فهو يمتدحه باعتبار أن المساس به مس بالمجموع. وما تجرأ الناس على الكلام إلا بعد انهدام الصنم وتحطيم الهيكل. وبعد ما ذكر، ما زال بعض الإعلام يتكلم عنه، وكأنه ما زال في السدة والرئاسة ولا مساس بالتالي، ولا انتقاد.

 

والإعلام صانع الرأي العام وموجهه، أو مضلله ومزيفه ومحرفه.

 

وإني عارض عليكم في هذه العجالة عينة، مجرد عينة لتحكموا من العينة على ما وراءها من بقية وركام، ولتكونوا على بينة من حجم التضليل الذي يتعرض له العقل العربي وحجم تزييف الوعي، وتحريف الوجهة.

 

ولم يكن متاحاً أن ننقل من الإعلام الرسمي التونسي، قبل الإطاحة بهذا الرمز الكبير من رموز أعوان الاستعمار، ولكن لك أن تقيس إذا كان هذا هو إعلام غير بلد الرئيس فكيف تكون الصورة في إعلام بلد الرئيس؟

 

إن مهمة الإعلام أن يصنع للمعني صورة لا تمت إلى الأصل بصلة، أو لا تمت إلا بأقل صلة..

 

فهو في الواقع: الظلم مجسداً والقبح والتجبر والغباوة والشراهة والتفاهة والجشع والبطش والتبعية..

 

وهو في الصورة: صورةُ الإنسانية والعدل والجمال والتسامح والشورية والنباهة والتخطيط والاستقلالية في القرار والحكمة..

 

والمفارقة بين صورة الواقع والصورة المزيفة المقدمة للناس على أنها الواقع، مفارقة هائلة جداً.

 

فن صناعة الطواغيت كفن صناعة التماثيل، أو صناعة الأبطال في السينما. فمن تراه بطلاً أو رومانسياً منسياً أو مخططاً أو أسطورة، قد يكون في الواقع نقيض ذلك تماماً.

 

وهل من رأيته المسيح على الشاشة الأمريكية يمت في الواقع بأدنى صلة إلى السيد المسيح؟

 

وهكذا قل في بن علي الخيال والمثال، وبن علي أو بنعلي الواقع بلا رتوش أو محسنات بديعية أو افتعال!

 

على كل حال هذه صورة من واقع الحال.. أقصد واقع حال إعلام الضلال في بلاد العجائب والأهوال.. وأصلح الله الأحوال.

 

فروزاليوسف، مثلاً، في عدد 21/1/2011 تعنون: "ثورة العاطلين في تونس والجزائر"

 

2- بن علي في مجلة "الحوادث"

هل تصدق إذا قلت لك إن مجلة الحوادث اللبنانية المغتربة في باريس عش الحرية والديموقراطية كما يزعم! في عددها 2828 بتاريخ14-20/1/2011 تكتب على لسان كاتب من كتاب النظام التونسي البائد اسمه: محمد أمين وليس بأمين ولا يمت لمحمد، كتب يقول تحت عنوان: "بن علي يلتقي قادة أحزاب المعارضة التونسية." (لما نشر المقال كان الزين قد زال) والمقال أرضيته وردية متميزة وقد جاء فيه: التقى الرئيس التونسي "زين.." رؤساء عدد من الأحزاب السياسية المعارضة في بلاده، وصرح قادة هذه الأحزاب بأن الرئيس أكد حرصه الدائم على الإصغاء إلى آراء ومقترحات الأحزاب ومكونات المجتمع المدني، باعتبار الديموقراطية ثقافة وممارسة تسمو على الديماغوجيا والشعاراتية. كما نقلوا عن الرئيس التونسي حرصه الدؤوب على رعاية حرية التعبير وتعزيز التوافق الوطني عبر التأسيس المتواصل للغة الحوار والتفاعل الإيجابي بين مكونات المشهد الوطني. وأكد قادة الأحزاب التونسية المعارضة للرئيس.. انخراط أحزابهم في المجهود الوطني لمواجهة التحديات المطروحة، وفي طليعتها قضية التشغيل باعتباره أولوية الأولويات. ويذكر أن الرئيس قد نجح في غمرة حركته الإصلاحية الشاملة، في إقامة نظام سياسي ما فتئت دائرة الممارسة السياسية التعددية، في ظله، تتسع وتتجذر في مختلف فضاءات العمل السياسي..

 

ويمضي المقال على هذه الشاكلة ويؤكد أن التعددية خيار ثابت (وفول نابت) لا رجعة فيه.. إلى آخر المعزوفة السمجة المعروفة.

 

ويختتم المقال بعد أن عدد وأعاد في موضوع التعددية بقوله: ما انفك بن علي (هو انفك من الحكم والشعب انفك من ربقته والمجلة ما زالت وما انفكت تقول: ما انفك بن علي..) يدعو إلى تكثيف فضاءات الحوار في قنوات التلفزيون التونسي ودعم حضور المعارضة في الملفات التلفزيونية التي تتناول القضايا الوطنية والمستجدات العالمية." والتعليق على هذا الكلام الهراء الغث المكذوب الملفق: يبدو أن المجلة قابضة أجرة المقال الدعائي المدفوع سلفاً، فهي تنشره ولو سقط الرئيس التزاماً بالدفعات والسداد. وفي سبيل المال لا مبادئ ولا قيمة للفكر والثقافة والنشر والكلمة.

 

وكذلك من المقال نأخذ صورة واقعية عن الإعلام العربي. فإذا كان المعارضون يقولون ما سمعتم وما قرأتم من المقال فما تقول الموالاة والموافقة؟ وهذه بحد ذاتها أكذوبة على المعارضة أو وصمة لها إن كان الكلام صحيحاً.

 

وأيضاً هذا الكاتب المسمى محمد أمين، هل هو أمين على الكلمة ومسؤوليتها وهل قواعد الشرف ترتضي أن تمتهن الكلمة إلى هذا الحد؟

 

وإذا كانت التعددية متحققة والمشاركة موجودة والفضاءات الإعلامية مفتوحة للمعارضة ففيم انفجرت الجماهير؟ والكلام يطول لو جئنا نناقش كل ما يقول هذا المخبول.

 

على كل حال هذا العدد من الحوادث غلافه صورة للرئيس مبارك وعنوان: السد العالي أمام الإخوانية والأصولية وظلامية الإقصاء. والسد العالي هو الرئيس طبعاً.

 

وفي داخل المقال عناوين: "أخفقت حماس وحزب الله والجهاد في اختراق الأمن المصري." وهل هؤلاء في معركة مع الأمن المصري يا إعلام الصهاينة؟ وعنوان آخر: "الرئيس مبارك أعاد الطمأنينة إلى النفوس الخائفة والقلوب الواجفة، وقال: إن أمن مصر القومي هو مسؤوليتي الأولى.." ويمشي المقال على هذه الشاكلة.. واستغرق المقال ست صفحات!

 

ثم مقال آخر عن بن علي مع صورة استغرقت ربع صفحة لبن علي مع حرمه ليلى في وسط الجماهير يردان على هتافات هذه الجماهير المحيية وتعليق: "شراكة وتواصل بين الدولة والمواطن في تونس اليوم."!

 

وفي المقال: يركز المحللون على ميزة الاستقرار وعلى نجاح الرئيس في إرساء الديمقراطية الهادئة المستندة إلى نظام اقتصادي صلب، ذي بعد اجتماعي وإنساني متجذر!

 

وكيف أن تونس نجحت في أن تنحت موقعاً لها بين الكبار! والارتقاء إلى مرتبة البلدان المتقدمة (ألمانيا وفرنسا وكوريا الجنوبية مثلاً. هذه من عندي!) وأن ملايين السياح يزورون تونس في كنف الأمان.. وأعاد الحديث عن الاستقرار، وتطور الأداء الاستثماري..

 

ثم ختم بقوله: كل ذلك (!) في ظل تجربة سياسية متفردة من أبرز سماتها المصالحة الوطنية والتضامن الوطني والتدرج في الإصلاح.. وتكلم عن الشراكة الفاعلة والتواصل المتين بين الدولة والمواطن والوفاق الوطني الذي انخرطت فيه كل الأطراف السياسية..الخ"

 

أحببت بهذا أن يطلع المواطن العربي على نماذج أو على نمط من الإعلام العربي والكذب المفضوح المكشوف في هذا الإعلام. وأنه أبعد ما يمكن أو يكون عن الحقيقة وعن تصوير الواقع. وأن يعرف العربي حجم ما يتعرض له من تضليل.. وقد اكتشفنا كم الحقيقة مناقضة لهذه الدعاية ولهذا الزيف.

 

وأما "أخبار اليوم" و "الأهرام" فقد نشرت خبر أعظم ثورة شعبية أطاحت بأطغى طاغية في مدة قرن من الزمان، نشرته في زاوية لا تصل سنتمترين، يعطى مثله لخبر عن اكتشاف سلحفاة من صنف ظن انقراضه! أو ما شاكل.

 

وأما "الأهرام العربي" فتكتب قبل سقوط الطاغية بأيام (سقط والعدد في السوق): اتخذ الرئيس التونسي (..) عدة قرارات لصالح الولايات الفقيرة بهدف معالجة البطالة في أقرب الأوقات وتكثفت.. وتعاقبت.. بلغة المجلة، المجالس الوزارية التي أشرف عليها الرئيس شخصياً.. بهدف تجسيد شعار: "معاً لرفع التحديات." ثم ذكر المقال الذي كتبه كمال بن يونس وهو مراسل البي بي سي في تونس، ذكر التعديلات الوزارية التي أجراها بن علي وامتدح الوزراء الجدد الشباب.. وبقية الخبراء الذين عينوا للنهوض بالاقتصاد.. إلى آخر الزيف والزخرف اللفظي والتزويق في وجه جثة محنطة ونظام مهتريء..!