لم يكن خبر اقتحام حفنة من البلطجية لأحد مقرات جماعة الإخوان المسلمين في جبل التاج قبل أيام مفاجئا للمراقبين الذين تابعوا ذلك التصاعد المضطرد في منسوب التحريض ضد الجماعة منذ أسابيع، فضلا عن ذلك الشاب الذي أعطى بالأمس انطباعا كاذبا لموظفي مقر حزب جبهة العمل الإسلامي في العبدلي بوجود حزام ناسف حول خصره من أجل تخويفهم كما قال، مع أن الرسالة الإعلامية للحادثة ربما وصلت لمن يدققون في التفاصيل.
ثمة محوران للتحريض المشار إليه ضد الجماعة، الأول من النوع المقصود والمرتب، وهذا يمكن وضعه في إطار ضيق بعض الجهات بمواقف الجماعة حيال ملف الإصلاح، وما تراه سقفا مرتفعا لخطابها السياسي الذي يأتي انسجاما مع رياح التغيير في المنطقة، وتلبية لتطلعات الجماهير التي ترى أن زمن ما قبل البوعزيزي يختلف عما بعده، لاسيما بعد نجاح الثورة في أكبر وأهم الدول العربية (مصر)، مع أن أحدا في الأردن لم يتحدث عن تغيير على النسق التونسي والمصري، وإنما عن إصلاح سياسي يلبي تطلعات الناس في المشاركة الحقيقية في قرارهم السياسي بعيدا عن ديمقراطية الديكور التي كانت معتمدة في العالم العربي طوال عقود.
المحور الثاني للتحريض له سند واقعي، بمعنى أن هناك في الشارع من أخذ يتحسس بالفعل من مواقف الجماعة الأخيرة، وذلك تأثرا بضخ إعلامي سعى عن وعي وإصرار إلى حشر الجماعة ومعها عموم النشاط المطالب بالإصلاح في إطار تمثيل المواطنين من أصل فلسطيني، مع ربط المسألة برمتها بقضية التوطين والوطن البديل، ووصل الحال ببعض من يحاولون تصدر مساعي التغيير والإصلاح حد ترديد ذلك في وسائل الإعلام، مع أننا ندرك ويدرك سوانا حقيقة موقفهم من الإخوان حتى لو رددوا شعاراتهم (أعني شعارات الطرف الثاني) بالكلمة والحرف.
والحق أن حشر الإخوان في إطار تمثيل كتلة معينة من المواطنين ليس صحيحا بحال، فقد كانوا ولا يزالون ممثلين للناس من مختلف الأصول والمنابت، بل إنهم في الفترة الأخيرة صاروا أكثر تمثيلا للهم المحلي من أي وقت سابق، و أنهم جميعا متوحدون على خطاب مشترك حيال ملف الإصلاح، من دون أن نرى أو نلمس تلك الحساسيات التي ثارت بينهم لبعض الوقت.
ثم إن الإخوان هم أكثر من يتصدى لفكرة التوطين والوطن البديل، لأنهم يضعون الأمر في نصابه الصحيح، خلافا لمن يقدمون موقفهم ضمن طبخة عنوانها دعم التسوية ورفض التوطين والوطن البديل في آن، بينما يعلم الجميع أن أية تسوية أيا يكن من يوقعها لن تتضمن حق العودة بأي حال، حتى لو تجاهلنا أن وادي عربة قد نصّ عمليا على التوطين.
الإخوان يتبنون الطرح الواقعي والعملي في مواجهة التوطين والوطن البديل ممثلا في أن على من يصدق في المواجهة أن يدعم خيار المقاومة بوصفه الوحيد القادر على إسقاط المؤامرة برمتها، والتي تستهدف حل القضية على حساب الأردن، وعلى حساب الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني في آن.
أما النشاطات الأخيرة ومنها تجمع 24 آذار، فضلا عن سائر التجمعات المطالبة بالإصلاح فلم تكن حكرا على الإخوان، ولم تكن تعبيرا عن الكتلة الفلسطينية، بدليل أن المخيمات لم تكن جزءً منها، حتى لو شارك بعض أبنائها فيها، وقد كتب الكثير حول أسماء ورموز تلك النشاطات الذين يتوزعون على سائر أرجاء الخريطة المحلية، وفي مقدمتهم أبناء عشائر معروفة.
بوسعنا في ضوء ذلك أن نقول، وخلافا لبعض الضخ الإعلامي إن وضع الإخوان الشعبي هو أفضل بكثير مما كان عليه في الأعوام الأخيرة، ، فضلا عن نشاطاتهم التي تستقطب الجمهور الأكبر.، وقد جربت في أماكن شتى دون جدوى. «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ». صدق الله العظيم.