اعترف لي رجل تركماني عراقي أنه جاءته لحظات لعن العرب وكرههم أشد من كل شيء, ولكنه عاد إلى التوازن والصحة النفسية الآن فهو يعرف أن مصيبة الظلم مرض منتشر.
ومن أعجب الأمور التي حدثت معه أن فرّ من العراق مع أفراد عائلته وبعض من عائلة زوجته في جنح الظلام من مدينة كركوك, وفعل كما جاء في الآية القرآنية “ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون”.
قال لي الرجل: أرادوا سوقي إلى القتال في الجبهة العراقية - الإيرانية, فإما قتلت مسلماً فتورطت بسفك دم مسلم وعلي من الله اللعن “ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً وإما قتلوني إن لم أقتل أو تظاهرت بأنني أصوب ببندقيتي خلاف ما يأمر به الضابط.
فلم يكن أمامي إلا أحد خيارين, فإما امتنعت عن الالتحاق فأساق إلى محكمة عسكرية فأعدم على مخالفة الأوامر ويحجز على أموالي المنقولة وغير المنقولة, وإما أن أفر والحياة أفضل من الموت, فقررت الهرب ولكنه كان قراراً صعباً ومن أصعب ما فعلته في حياتي.
وعاتبني بعدها والد زوجتي, وقال ماذا فعلت بنا, لقد تشردنا في الجبال والغربة؟!.. ولكنه الآن يعترف ويقول لقد فعلت أفضل ما يمكن فعله.
والواقع أن الجيوش مبنية على قاعدة عجيبة ضد المبدأ القرآني, ففي الوقت الذي يعلم الإسلام أن نطيع في الطاعة ونعصي الأوامر في المعصية, فإن الجيش يربي على التنفيذ ثم الاعتراض إن كان هناك اعتراض, وفي الواقع لا يوجد اعتراض.
وتحت هذه القاعدة يسلب الإنسان ثلاث مرات من عقله, فلا يفكر ومن إرادته فيتحول إلى عصا ومن إنسانيته فيقتل الآخرين على الأوامر.
والإنسان يتعجب من هذه المؤسسة كيف تشكلت وهي ضد العقل والإرادة والإنسانية, ولكن هذا هو جدل الإنسان “وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً”.
والمهم فالرجل التركماني الذي أروي قصته حزم أمره وارتدوا ملابس البيش مارجا الكردية, واتفقوا مع المهربين وعبروا جبال كردستان إلى تركيا ونجوا بعد عذاب، وهو يقول لي اليوم:
“لقد همت على وجهي وكدت أفقد إيماني لولا دعوات حفظتها من الإمام الغزالي فهي على واجهة البراد عندي في البيت فأقرأها كل حين”.