نَموتُ كنبتة الصَحراء

نشر 28 مارس 2011 | 09:55

من عبقِ الذِكريات الخَالدة نتنسم رحيق المُفكرين العُظماء .. الذين رَحلوا عنا بأجسادهم ولم ترحل عنا أروحهم وعُقولهم وأَفكارهم السَامية .. لَقد رووا بدمائهم الطاهرة الزكية ثرى فلسطين الأبية .. وسطروا ملاحم بطولية من قنابل مجدٍ عنقودية .. وأسدوا بيننا رسائل جهاد ثورية.. هم الرجال .. رجال فلسطين الفتية .. أضاءوا لنا شموع الطريق وخطى المنية نحو الحياة الأبدية ..

 

ها هي الذكرى الثامنة لاستشهاد المفكر الدكتور إبراهيم المقادمة تطل علينا من جديد لتشحذ الهمم وتضيء لنا معالم الطريق إلى تحرير فلسطين .. بعد المحاولات المتواصلة لإبعادنا عن الطريق المُبين نحو القدس وتحرير فلسطين ..

 

ليته "أبا أحمد " كان بيننا ليرى اليوم أن الشباب ينفضون غبار النوم والكسل عن أنفسهم ويثورون في العالم كله ليَرفعوا الظُلم والجُحود عن شعوب الأمة .. فأنت أيها الشيخ المُفكر "أبا أحمد" من خَاطبت الشَباب وقُلت لَهم  " يا شبابَ الإسلام إن الأَمر جد لا هزل، وإني لأرى تباشير النصر بإذن الله في وجوهكم المضيئة وقلوبكم الطاهرة "إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ".

 

كما قال المُفكر المَقادِمة في نِهايةِ كتابهِ مَعالم في الطَريق إلى تَحرير فِلسطين " ولي أمل في شباب الحركة الإسلامية أن يقوموا وينفضوا عن أنفسهم غبار النوم والكسل ويواصلوا العمل ليل نهار جهادًا في سبيل الله وتضحية بكل ما يملكون من جهد ونفس، ومال ووقت ويُخلصوا توجيه هذا الجُهد لله سُبحانه ويُوطدوا العَزم على السَير على طَريق الإسلام متحدين على طريق الإسلام لتحرير فلسطين وكل الأرض من رجس الطاغوت .."

 

لَقد حَطم المُفكر الشَهيد المَقادمة أَسوارَ السِجن وقُضبانَ الحَديد، فكانت السجون بالنسبة لهذا الرجل " سِياحةٌ  وفَخارُ " .. وكانت السُجون جَامعةٌ وأصولٌ فكرية يَنهلُ مِنها طَلبة العِلم والعَباقرة.. فقد كان في السجن" دارساً ينام السجناءُ ويَبقى ساهراً "

 

 "أبا أحمد" .. كيف لأساطير السجن أن تهزم عزيمتك وصلابتك.. تبا لهم ولسجونهم الهزيلة أمام عزائم رجال فِلسطين المَجيدة.. لَقد خَاض هَذا الرجل في سجنه محنة كبيرة بكل صلابة وشموخ وكبرياء تَهد الجِبال .. و حَوّل المحنة والابتلاء إلى منحة وعطاء.. مقتديا بنبي الله يوسف عليه السلام وهو في محنته وسجنه الظالم، فقد كان يَحمل لواء الدعوة إلى الله داخل أسوار السجن...

 

وعملاقة السُجون يَشهدون للمُفكر المَقادمة صَبره الكَبير عِند سَماعه نَبأ اسِتشهاد فلذة كبده  "أحمد" ورفضه تَأخير الدَرس الأسبوعي لأخذ واجب العزاء ..  كَما قَال فِي قَصيدة رِثاء لأبنه أحمد " نَموت كنبتة الصَحراء ... هل أبكيك.. يُحرقني البُكاء ..هَل أَنساك.. يُنساني الهواء ...أفرُّ إلى إله الكَون يمنحني العزاء ... لك الحمدُ ربِّي عظيمَ الثناء ... لك الحمدُ ربِّي مجيب الدعاء... عليك اعتمادي.. وأنت الرجاء .. فثبِّت فؤادي ...أَعنِّي على مُجريات القَضاء ... ومَن لِي سُواك بدُنيا العَناء "..

 

وقد استشهد الدكتور المفكر المقادمة في حوالي الساعة 8:10 من صباح يوم السبت الموافق 8/3/2003م حيث حلقت أربع طائرات مروحية صهيونية في سماء مدينة غزة، قامت باستهداف سيارته.

 

ولكل شهيد مواقف وكرامات .. فما أن وصل جثمانه الطاهر إلى المَسجدِ العمري الكَبير وسط مدينة غزة حَتى حَامت أسراب مِن الحَمام فَوق رُؤوس المُشيعين، فَقد شَيعه حَوالي مائتي ألف فلسطيني جَابوا شوارع المدينة ، وفي كَرامة ثانية نُقل جثمان الشهيد المَقادمة ليُصلى عَليه مرة ثانية في مُخيم البريج وقد شارك في الصلاةِ عليه حَوالي مائة ألف شخص، وعند وصول جثمان الشهيد المفكر المقادمة إلى دوار النصيرات وإذ بأكثر مِن عِشرين حَمامة تُحلق فَوق جثمانه الطاهر ، فيما فاحت رائحة المسك من جسده الطاهر.