حول اعتصام الداخلية

نشر 27 مارس 2011 | 02:22

لم يهتف الشباب المعتصمون عند دوار الداخلية كما فعل أمثالهم في تونس ومصر وليبيا واليمن «الشعب يريد إسقاط النظام»، وهم تبعا لذلك لا يستحقون كل هذا الهجاء الذي تعرضوا ويتعرضون له من هنا وهناك، بما في ذلك من أناس عاديين يعتقدون أن بوسعهم إثبات الولاء عبر هذا السلوك.

 

قال البعض إن هناك استجابة لمطالب الشباب تمثلت في الرسالة الملكية لحكومة البخيت، ولكن أي مانع في أن تتواصل النشاطات الجماهيرية حتى تأخذ تلك التوجيهات مداها ويبدأ الناس في الشعوربأنها تترجم واقعا على الأرض، ولم تعد مجرد وعود لا أكثر؟!

 

الكلام الذي يقال عن تعطيل أعمال الناس ليس صحيحا بحال، إذ بالإمكان الاستمرار في الاعتصام من دون تعطيل شيء يذكر إذا حرصت الجهات المعنية على ذلك، أما إذا أرادت إظهار الاعتصام في صورة المعطل لمصالح الناس، فسيكون بوسعها تحقيق ذلك عبر ممارسات يعرفها الجميع وتابعنا فصولا منها في تونس ومصر واليمن.ثم إن بقاء كل شيء على حاله من دون إصلاح حقيقي هو الذي يعطل حياة الناس بالفعل، وإن بدا الموقف غير ذلك من خلال النظرة السطحية التي تقف عند ظواهر الأمور.

 

ليس من الضروري أن يجوع الناس حتى يطالبوا بالتغيير، والذين خرجوا في شوارع القاهرة والإسكندرية وصنعاء وتعز وتونس وبنغازي لم يكونوا من الجوعى الذين طبقوا مقولة أبي ذر الغفاري «عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه»، فقد كانوا جميعا يحملون «موبايلات»، بعضها من النوع الحديث الذي يمكن من خلاله التواصل مع شبكة الإنترنت، ما يعني أنهم من أبناء الطبقة المتوسطة وفوق المتوسطة الذين يعتقدون أن بوسع بلادهم أن تكون أفضل بكثير مما هي عليه، أكان على صعيد الوضع الداخلي، أم على صعيد سياساتها الخارجية المتعلقة بالغرب والكيان الصهيوني.

 

شباب دوار الداخلية هم جزء من هذه الحالة، ولا نستبعد أن يتورط البعض في التحريض عليهم طبقيا، وربما فضّل آخرون نسبتهم إلى فئة بعينها كما فعل أحدهم مع متظاهري وسط عمان، وبالطبع لكي يكون بالإمكان عزلهم عن الإطار الشعبي العام، مع أنهم في واقع الحال من جميع الفئات، وفيهم أيضا من جميع الطبقات، بمن فيها الفقيرة، لاسيما شباب الجامعات الذين يجاهد أهلهم لكي يوفروا لهم قسط الجامعة، مع دينار آخر يكفي للمواصلات لا أكثر.

 

المطلوب واضح كل الوضوح، والوعود وحدها لا تكفي، إذ من دون أن تتحول الوعود إلى فعل حقيقي سيبقى الاحتجاج وسيتواصل ويتصاعد كما وقع في الدول العربية الأخرى، مع العلم أن التغيير والإصلاح الذي يمنح الشعب حق بناء حاضره ومستقبله ليس من قبيل الألغاز التي يستحيل حلها، بل هو علم متاح يمكن لأي أحد الحصول عليه.

 

الشباب هم مستقبلنا الواعد، وهم الذين يجعلوننا أكثر إيمانا بقدرتنا على تحقيق الحرية والكرامة والتنمية والنصر والتحرير، ولذلك فهم يستحقون التحية لأنهم بجهدهم وجهادهم سيحققون ما عجزنا عنه نحن الجيل السابق، وسيكون مستقبلنا معهم أفضل على مختلف الصعد بإذن الله ومن ثم بدعم المخلصين.