يبدو أن القاهرة جادة في إعادة الإمساك بزمام الأمور في الموضوع الفلسطيني بعد أن استقرت الأمور إلى حد ما في الجبهة الداخلية، وتشكيل حكومة عصام شرف ونقل الملف الفلسطيني من أروقة جهاز المخابرات إلى الخارجية المصرية، الأمر الذي يعني تصحيح المسار وإعطاء أولوية للقضية الفلسطينية على أجندة الحكومة المصرية من خلال التعامل وفق النظرة السياسية لا الأمنية التي كان عليها نظام مبارك.
التحرك المصري بات واضحاً في أعقاب دعوة رئيس الوزراء إسماعيل هنية لمحمود عباس وقبوله للدعوة لزيارة غزة من أجل اللقاء والتحاور بهدف إنهاء الانقسام، وإن حاول عباس التذاكي على الدعوة والالتفاف عليها من أجل التحايل على رغبة الشارع الفلسطيني في إنهاء الانقسام كطريق لإنهاء الاحتلال، من خلال القبول المشروط للزيارة ومحاولة فرض رؤيته على أي لقاء، والحديث عن أمور شكلية لا تستقيم في ظل الانقسام والخلاف القائم.
هناك وفد بقيادة الأحمد زار القاهرة والتقى وزير الخارجية المصري الدكتور نبيل العربي، وسبق ذلك اتصالات هاتفية بين هنية والعربي، وخلال زيارة وفد فتح تم التواصل بين وزير الخارجية المصري وخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، هذا الحراك السياسي يهدف في الأساس إلى إعادة الثقة للجانب المصري لأخذ دوره الحقيقي في معالجة الملف الفلسطيني بعيدا عن الأجندة الأمريكية أو الانحياز إلى طرف فلسطيني على حساب طرف آخر، كما كانت الصورة عليه في فترة نظام مبارك المخلوع.
انحياز النظام المصري السابق أفسد قضية المصالحة من خلال محاولة فرض الرؤية الأمنية المنحازة من قبل عمر سليمان وزير المخابرات السابق، والذي حال دون التوصل إلى اتفاق مصالحة من خلال الورقة المصرية التي حاول وزير المخابرات السابق والتي شكلت خروجاً على ما توافقت عليه الأطراف الفلسطينية، وانحازت في ذلك إلى جانب فريق فلسطيني على حساب فريق آخر، وحاولت ممارسة نوع من الإرهاب والابتزاز لحركة حماس وإرغامها على التوقيع على الورقة المصرية ولكن جميعها باء بالفشل.
اليوم مطلوب من حكومة عصام شرف أن تستخلص العبر والعظات من الانحياز الذي مارسه نظام مبارك، وكيف أفسد الحالة الفلسطينية ودعم توجهات لفريق فلسطيني كادت تعصف بالحقوق الفلسطينية لصالح العدو الإسرائيلي.
الآمال معقودة على موقف مصري متوازن وحريص على تحقيق مصالح الشعب الفلسطيني، والعمل على الحفاظ على الثوابت الفلسطينية، ووقف حالة التدهور التي وصل إليها فريق التفاوض الذي تغطى بغطاء من قبل أنظمة عربية وظيفية عملت على تنفيذ أجندة أمريكية صهيونية تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، والقضاء على الحقوق الفلسطينية ومقاومته.
المرحلة اليوم تتطلب وحدة صف فلسطيني على أساس ثوابت وحقوق الشعب الفلسطيني، بعيدا عن الأجندة الأمريكية، وبعيدا عن الاستجابة للعدو الصهيوني، ووفق استراتيجية فلسطينية تتلاءم مع طبيعة المرحلة القادمة.
وما يؤكد على هذه الضرورة وهي وحدة الصف على الثوابت وخيار المقاومة هذه الجريمة المرتكبة من قبل العدو الصهيوني في حي الشجاعية يوم أمس، والتي ارتقى فيها خمسة شهداء بينهم أربعة أطفال، وهي جريمة ما شجع العدو على ارتكابها إلا حالة الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، وموقف عربي منقسم ومشتت، والموقف الدولي الصامت والمشارك لهذا العدو في جرائمه.
ما أحوجنا اليوم إلى موقف عربي قوي يستند على حقوق وقضايا الأمة العربية، ما أحوجنا اليوم إلى من يرسل رسالة للعدو الصهيوني تؤكد على أن المرحلة الماضية انتهت، وما كان للعدو لم يعد قائماً وأن الأدوات الجديدة تغيرت في التعامل مع هذا العدو الذي يجب أن يفهم أن أي جريمة بحق الشعب الفلسطيني لن تقابل بصمت، وسيدفع هذا العدو ثمناً كبيرا لها، عندها يمكن له أن يتوقف عن إرهابه وعدوانه.