علي الجابر...عدسة الله المسلولة!

نشر 21 مارس 2011 | 12:51

كان المستشرقون الغربيون يمثلون طليعة الاستعمار في بدايات القرن الماضي، حيث انهم يضعون دراساتهم عن جغرافية البلاد التي يُراد احتلالها بين يدي القيادة السياسية لبلادهم، والاهم ما يقدمونه من معلومات تفصيلية عن لهجات واعراق ومذاهب وعشائر وخصومات وعادات وموارد تلك المجتمعات التي وضعت على اجندة الغزو ... اما اليوم فصحيح ان الجواسيس والعملاء يقومون بهذه المهام بيد ان الجديد الذي دخل على الخط وشارك بفعالية قوية هو آلات الرصد والتجسس التقنية والعلمية من اقمار اصطناعية إلى اجهزة في غاية الدقة... وجاء دور الكاميرا الميدانية في لحظات ما قبل الالتحام لتكون الوقود المحرك والعزف على وتر «عين اليقين» بدل «علم اليقين»... ما جعل كثيرا من المراسلين الجادين يدفعون حياتهم ثمنا مقابل الحقيقة التي تقنصها الكاميرا وكان آخر هؤلاء الشهيد علي الجابر مراسل الجزيرة الذي كان يشغل رئيس قسم في القناة، وهو في غنى عن النزول إلى الميدان والدخول في بؤرة اللهب.

 

ولكنه آثر الجهاد بكاميرته في زمن التزوير والتضليل والتدليس والانحياز فسقط مغدورا به على تخوم مدينة بنغازي المجاهدة في ليبيا المستعمرة من القذافي وعصابته المجرمة.

 

لقد احيا (علي الجابر) بتضحيته هذه من اجل الحقيقة التي رفع شعارها ومضى لاجلها واستشهد في سبيلها ... احيا في ذاكرتنا صورة ذلك الصبي المذعور متترسا حضن والده يلوذان ببرميل في شارع صلاح الدين بين مستوطنة نتساريم وغزة، قبل ان ترديه رصاصات الغدر الصهيوني... ترى لو لم يكن مصور وكالة الانباء الفرنسية البارع (طلال ابورحمة) يقف في زاوية ذلك الشارع بتاريخ 30 سبتمبر 2000 ليلتقط لنا صورة استشهاد الطفل (محمد جمال الدرة) بالصوت والصورة ... ترى هل كان للزخم الذي حظيت به الانتفاضة الثانية ان يكون لولا ذلك التعاطف الجارف الذي احدثته تلك الصورة في ضمير الشعوب والامة قاطبة؟!

 

هذا مثال واحد من مئات اللقطات الحقيقية كان لظهورها على الملأ وقع صادم غير مشهد الحدث لتغير بوضوحها وصدقها مجرى التاريخ وتمهد لصناعة مستقبل مختلف ومن هذا كانت جدلية المخاطرة والواجب او (المصلحة) المخاطرة التي جعلت من كل ظالم متجبر (مشروعا قاتلاً) لكل ذي عدسة تحاول نقل الحقيقة، أليس هذا ما فعله الاسرائيليون بـ(فضل شناعة) مصور وكالة رويترز بتاريخ 16 ابريل 2008 بعد ان كانوا فشلوا في قتل مصور قناة الاقصى (عماد غانم) بتاريخ 5 يوليو 2007 وان احالوه الى (مصور بلا قدمين) وهي ذاتها نفس الخطورة والمجازفة التي لاحقت اخانا الشهيد (علي الجابر) ممن احترفوا مطاردة اللقطة وتوثيق المشهد مدركين ان على الشاهد ان يكون قواما بالقسط ... والا يفعل ... يكون آثما قلبه!!

 

اما الواجب والمصلحة فهي اليوم اوضح واجلى من ان تحتاج إلى بيان انها (الصورة)!! التي رافقت الجهاد في غزة فأيقظت الامة ثم تابعت إلى تونس فرفعت الهمة ثم وصلت إلى مصر فدفعت بحجم البركان الخامد قاذفا لهيب الكرامة والحرية في كل اتجاهات الوطن العربي المقهور!!

 

ومن هنا وهناك صار حتما على خيول (الجزيرة) ان تُيمِمْ شطر الثورة في ليبيا وان تختار فرسانا اشداء لامتطائها كأمثال شهيدنا (عدسة الله المسلولة) كما سماه الاعلامي اشرف المرزوق، انها الحياة مقابل الحقيقة والواجب، يا له من زمن يكون فيه حامل الكاميرا مجاهدا وشهيدا ينافس شهيد السلاح والمدفع فيصلي عليه الملايين في ارضه وخارج ارضه ويغدوا رمزا عالميا يتجاوز العرق الذي يتحدر منه والبلد الذي ينتمي اليه فعليك من الله الرحمات شهيد الحقيقة (علي حسن الجابر).