خرجت جموع شعبنا في الخامس عشر من مارس آذار بمسيرات كبيرة شاركت فيها جماهير غفيرة رفعت شعارات عدة تطالب في مجملها بإنهاء الانقسام الأمر الذي يعتبر مطلب الكم الأكبر من أبناء الشعب الفلسطيني، وتعتبر المظاهرات والمسيرات عبارة عن محاكاة للثورات العربية الحديثة التي حدثت مؤخراً أو إن شئت فقل تقليداً تاماً لها ،وعلي كل الأحوال فإن أجواء الحراك الشعبي الرامية لإنهاء الانقسام هي أجواء وطنية ايجابية بامتياز إن صدقت النوايا وتضافرت الجهود بشكل حقيقي وصحيح.
ولو أردنا مقارنة تحركات يوم (15) آذار بالثورات العربية الأخيرة لوجدنا اختلافاً كبيراً فالوقائع علي الأرض مختلفة تماماً لأن الأنظمة العربية قمعية وخرج الناس لإسقاطها ودحر أكابر مجرميها ،بينما الواقع بغزة تحديدا ليس كذلك بل مختلف تماما لأن الحكومة هي مفرز وطني جاءت بممارسة انتخابية ديمقراطية نزيهة ،لذلك ما يصح ويجوز بالدول العربية لا يصح بغزة وما ينسحب علي الأنظمة ممكن أن ينسحب علي السلطة برام الله بيد أنه لا يمكن أن ينسحب علي الحكومة بغزة مطلقاً ،وعليه فإن تقليد شباب (الفيس بوك) الفلسطيني ومحاكاتهم للثورات العربية لن يكتب له النجاح بغزة لاختلاف الظروف والنهج السياسي وحتى الادارى بيننا وبينهم.
ولكن إذا خضنا في التفاصيل الدقيقة لأحداث يوم (15) آذار نجد بعض المجموعات ممن خرجوا بشوارع غزة لا يمكن لمن تتبع الأحداث وراقبها بتفاصيلها المتلاحقة الا أن يصفها بأنها كانت مدفوعة بل إن أصواتهم تلك التي نادت بإسقاط الانقسام كانت تخرج من حناجر مستأجرة ومزيفة وليست بدافع وطني بحت ،وليس أدل علي ذلك من تصريحات بعض الشخصيات الرفيعة والمطلعة بالضفة الغربية التي أفادت بأن السلطة برام الله قد دفعت مليون دولار وبعض المصادر قالت نصف المبلغ المذكور وذلك لحرف مسار التظاهرات بغزة عن مسارها لتصبح ضد الحكومة وحركة حماس ولزعزعة الأمن العام ،بل وبهدف إغراق القطاع ببحيرة من الدماء ليقولوا للعالم بأن القائمين علي غزة يسفكون الدماء ويقتلون الأبرياء ،ليتم بعد ذلك تنظيم المظاهرات والاحتجاجات لإسقاط الحكومة وهو أمر لن يكون ولن يحدث بفضل فهم شعبنا العميق للسياسة.
أما عن معالجة الحكومة بغزة لتلك الاحتجاجات والمظاهرات يمكن القول وبأريحية تامة أنها كانت تجربة جيدة سمحت للأخر أو للخصم السياسي بالظهور والنزول والتظاهر في الشوارع والأماكن العامة للتعبير عن رأيه وبذلك تكون قد أظهرت وجهاً حضارياً من أوجه تعامل الحكومة مع الملفات الداخلية التي لها علاقة بالحريات العامة والديمقراطية ،وفي النهاية فإن الشعوب العربية بثوراتها كانت تهتف بضرورة إسقاط النظام أما نحن فحق لنا أن نهتف بأعلى أصواتنا قائلين فلتسقط الأصوات مدفوعة الثمن ولتسقط الحناجر المزيفة المستأجرة لأنها لم تخرج بدافع وطني بل بدافع حزبي ضيق ومقيت.