كل إطالة للفترة الانتقالية تصبح سحباً من رصيد الثورة، وفرصة مواتية للثورة المضادة. هذه العبارة سمعتها من الدكتور المنصف المرزوقي الزعيم التونسي الذي عاد إلى بلاده من منفاه في فرنسا بعد سقوط نظام بن على. إذ التقيته قبل يومين في الدوحة، حيث اشتركنا معا مع عشرات من أنحاء العالم. قدموا لمناقشة عنوان صاغه مسؤولو شبكة الجزيرة كالتالي: هل بدأ المستقبل (في العالم العربي) الآن؟
أيدته فيما ذهب إليه، ووجدت أن اختبار هذه الفكرة في الحالة المصرية يؤيد مقولته، من حيث إنه يقودنا إلى مجموعة من القرائن هي:
- إن التمديد يطيل من أجل الفراغ الدستوري، ومن ثم يدخل البلاد في دوامة الفوضى التي تغيب فيها المرجعية التي يحتكم إليها في ضبط مسيرة الانتقال إلى الوضع الديمقراطي الذي تنشده الجماعة الوطنية. ويتأكد ذلك الفراغ بشدة إذا ما نجحت الحملة الإعلامية واسعة النطاق الجارية الآن، داعية إلى رفض التعديلات الدستورية التي تفتح الباب للتقدم على طريق إقامة ذلك الوضع المنشود.
- من شأن ذلك أيضاً إضعاف قوى الثورة وتآكل الحماس لها في المجتمع بمضي الوقت. ذلك أن أحدا لا يشك في أن الالتفاف حول أهداف الثورة وطموحاتها هو الآن أفضل منه بكثير بعد عام أو أكثر. أتحدث هنا عن الجماهير العريضة التي بدأت تعبر عن بعض الاستياء والقلق، خصوصاً في ظل توقف عجلة الإنتاج وتعطل المصالح بسبب إضرابات العاملين واعتصاماتهم. وإذا كان ذلك حاصلاً الآن. ووقائع الثورة وهديرها لايزال حاضراً في الأذهان، فما بالك به بعد عام أو أكثر.
- إن فلول النظام السابق المنحازة بحكم تركيبتها ومصالحها إلى الثورة المضادة، سيتوافر لها مزيد من الوقت لترتيب أوراقها وتجميع صفوفها وتحسس الصيغ والمداخل التي تمكنها من أن تجد لها مكاناً في ظل الوضع المستجد تحت عناوين مغايرة. وربما أيضاً تحت لافتات تزايد على الجميع في مساندة الثورة وتبنى مطالبها.
- صحيح أن أعضاء المجلس العسكري أعلنوا عزمهم على تسليم السلطة إلى المدنيين في أسرع وقت. وقد عبرت عن ذلك التوقيتات قصيرة الأجل نسبياً التي أعلنت للانتقال إلى صلب العملية الديمقراطية. لكن إذا طالت المدة استجابة لرغبات البعض ممن أصبحوا يتعلقون بحكم العسكر ويفضلونه على التقدم التدريجي نحو الديمقراطية، فكيف نضمن ألا يطيب لهم البقاء في السلطة، التي نعلم جيداً ما فيها من إغراءات تصعب مقاومتها. ناهيك عن أن استمرار إشغال قيادات الجيش بمشاكل الداخل يصرفه عن مهماته الأساسية بما يعنى أن تظل حدود مصر كلها مكشوفة إلى أجل غير معلوم.
- إطالة الفترة الانتقالية توفر فرصة كافية للقوى الخارجية لكي تجد لها موطئ قدم في الساحة المصرية يمكنها من التأثير على الوضع الداخلي والمستقبل المنشود. إذ لم يعد سراً أن تلك القوى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية (إسرائيل وراءها وربما قبلها) قد فوجئت تماماً بأحداث الثورة. ولأنه من الطبيعي في هذه الحالة أن تحرص تلك الدوائر على عدم تكرار المفاجأة، فلن نستغرب أن تبذل جهداً مضاعفاً لاستثمار الوضع المستجد ومحاولة الحضور في الساحة بأي صورة.
في هذا السياق لابد أن تلفِت أنظارنا مسارعة الإدارة الأمريكية إلى زيادة المعونة لمصر بمقدار 60 مليون دولار، وتخصيص 150 مليون دولار لدعم التحرك الديمقراطي المصري في الموازنة الجديدة. وهو الخبر الذي نشرته جريدة الأهرام أمس (15/3). ولأننا ندرك جيداً أن واشنطن ليست جهة خيرية تتوخى وجه الله في توزيع المعونات أو الدفاع عن الديمقراطية، فإن ذلك ينبهنا إلى أن القرار الأمريكي بزيادة الدعم إلى مصر بعد الثورة ليس بريئاً تماماً، ولكن يراد به في أحسن فروضه دعم الجماعات والمنظمات التي تتوافق مع المصالح الأمريكية. وإذا صح ذلك فإنه يؤيد ما ذهبت إليه في بداية هذه الفقرة حين ادعيت أن إطالة أمد الفترة الانتقالية توفر متسعاً من الوقت للقوى الخارجية لكي تحاول التأثير على مسار العملية الديمقراطية من خلال المنابر الداخلية ذات الصلة بالأمريكيين أو المرحبة بالتمويل الخارجي. لا أريد أن أسيء الظن بكل الناقدين والمعارضين، ولكنني فقط ألفت النظر إلى الدور الذي قد تكون المعارضة فيه لغير الله والوطن.