كان يوم 15 آذار 2011 (يوماً وطنياً ، ويومًا حزبياً ، ولم يكن يوماً عفوياً) . كان وطنياً لأن من شاركوا فيه هم أبناء لهذا الوطن العزيز المحتل . وكان وطنياً لأن الشعارات التي رفعها المتظاهرون والمتجمهرون في الميدان كانت شعارات وطنية بامتياز ، فهي في مجموعها تدعو لإنهاء الاحتلال والانقسام ، وتدعو للمصالحة والإصلاح ، وإن غابت الشعارات التي تدعو لحماية المقاومة ووقف التنسيق الأمني في ميدان المنارة برام الله فقد كانت حاضرة بقوة في ميدان الجندي المجهول في غزة.
وكان يوماً حزبياً لأن الأحزاب والفصائل جزء رئيس في مكونات العمل الوطني في فلسطين. وكان حزبياً بامتياز لأن القيادات الحزبية الفصائلية خطفت القيادة من الشباب واستأثرت بها وحركت جماهيرها في الميادين ، وفرضت نفسها في الواجهة الإعلامية ، وأكد كل حزب وفصيل على رؤيته وأجندته ، وذاب شاب "الفيس بوك" في المشهد الحزبي الفصائلي كما يذوب الملح في الماء.
كان ذوبان (الفيس بوك) مؤسفاً، ولكنه كان مبرراً في ساحة فلسطينية مقسمة سلفاً على الفصائل والأحزاب، وتعاني من حالة استقطاب حادة على قواعد من الأيديولوجيا والرؤى التقليدية، لذا قلنا (ذوباناً مؤسفاً) ؛ لأننا حرمنا صوتاً جديداً ووجهاً جديداً هو صوت الشباب الذين خرج بعضهم يتساءل هل ثمة جدوى من دعوات الفيس بوك والحركة الشبابية بعد أن التهمتها الأحزاب والفصائل وهضمتها وخلطت حابل الجديد بنابل القديم من الشعارات؟!
اعتقد أن سؤال الجدوى في مكانه، والإجابة عليه تحتاج إلى تقييم علمي وموضوعي، وتحتاج إلى قراءة عميقة للواقع الفلسطيني، وهل هو يمثل أو يشابه الواقع العربي في مصر وتونس، ومن ثمّ يمكن استخدام الأدوات نفسها التي استخدمها الشباب هناك ؟ أم أن لكل بيئة أدواتها ؟! ومن كل سؤال يتولد سؤال آخر ؟ ولست بصدد الإجابة على الأسئلة واترك سؤال الجدوى والفائدة إلى الشباب فهم أصحاب فكرة التجربة.
في ضوء ما تقدم قلت لم يكن اليوم الوطني الحزبي عفوياً لأن الأطراف ركبت الموجة وتحركت بحسب خطة وبرنامج وإن اجتهدت أن تخفي نفسها، ولكن في العمل الجماهيري في بيئة جغرافية صغيرة وسكان يعرف بعضهم بعضاً لا يمكن التخفي أو الاختباء.
كان يوماً (وطنياً-وحزبياً ولم يكن عفوياً) ، ولكنه حرك المياه الراكدة ، فخرجت عن رئيس الوزراء إسماعيل هينة مبادرة تدعو للِّقاء وإلى مؤتمر وطني شامل لمناقشة الملفات الوطنية، وفي اليوم التالي استجاب السيد محمود عباس إلى مبادرة هنية وأعلن عن استعداده لزيارة غزة والالتقاء بهنية وحماس ، وحدد شروطاً وترتيبات ، وبهذا دخل الوطن إلى غرفة عمليات جديدة لتحديد الخطوة التالية وجوهرها ترجمة الخطاب الإعلامي، إلى مواقف سياسية عملية محددة ، حتى لا تكون المخرجات كرات متبادلة في ملعب الإعلام فحسب.