1- حتى لا نخطيء التوصيف:
لا خلاف على القذافي! وأي خلاف فيه أو عليه غير معتد به وغير معتبر. فالقذافي كسر كل القيم وكل الحدود فلا دين ولا وطنية.
وهل ينطلي على عاقل ما يروجه بعض الكتبة أو المستكتبين في بعض الصحف، وتروجه بعض القنوات أن الثورات التي تمت في العالم العربي إنما هي من صنع أمريكا والصهيونية لخلق البلبلة في صفوف العرب ونشر القلاقل (بالقاف) والفوضى ولتغيير الحكام في تلك البلدان التي شهدت الثورات؟
أقول: هل ينطلي مثل هذا المنطق على أرباع العقلاء؟ وإن مثل هذا الهراء لا يحتاج إلى دحض ولا إلى تفنيد. لكن في عجالة نقول: وهل يجد الاستعمار الأمريكي والصهيوني أو وجد بديلاً لخدمته وخدمة مشاريعه خيراً من الأنظمة الراحلة المستبدلة؟
هذا أمر، وأمر آخر هل استعادة الشعوب لقوتها وسلطتها لصالح أمريكا وإسرائيل أم أن الدكتاتوريات قاهرة الشعوب هي التي تعمل لصالح أمريكا و"إسرائيل"، ولا تدفع هاتان الدولتان الثمن، بل الثمن من ثروة الشعب المنهوبة وغض هؤلاء المجرمين الطرف عن أولئك المجرمين، فهل وجد الأمريكان وربيبتهم صفقة خيراً من هذه الصفقة في الأوضاع الجديدة؟
ثم ما هذه الأنظمة التي عاشت وعششت ثلث قرن (مبارك) وقريباً من نصف قرن (حالة القذافي) ثم يهزها الاستعمار بتحريك بعض العملاء كما يزعم هؤلاء "العقلاء" أو العملاء على الحقيقة؟
والقذافي يصر على تصوير الثوار بأنهم "خونة" و"عملاء الاستعمار" وما أدري يا قذافي من عملاء الاستعمار؟ أليسوا هم من يحذر إذا قوض نظام القذافي فالويل لـ"إسرائيل"، فمن العملاء يا أيها الحقيد؟ ويا سيادة الحقيد الذي يسميه شعبه: "مسيلمة الكذاب" و"أبا لهب" بعد قصف المدن. وتسميه أخبار اليوم المصرية: "معمر الطاسة القذافي" عدد 5/3/11. إذا كانت أمريكا وأوروبا تتآمر عليك لاستعمار ليبيا فكيف تستعين بهم ضد من تسميهم "القاعدة"؟ وكيف تقول: خانوني وخذلوني؟ لا يخذل إلا صديق كنت تتوقع نصرته لأمر بينك وبينه نكص.
من هو صديق برلسكوني أنت أم الثوار؟ من صديق بلير أنت أم الثوار؟ من صديق الغرب أنت أم الثوار؟
ولماذا الحظر الجوي في حالتك مستحيل وفي حالة صدام عين الممكن وأقل الممكن وأهونه وأبسطه؟ لماذا الغرب يتكلم في حالتك بلغة غائمة عائمة معماة ضبابية وفي حالة صدام بلغة أوضح من الشمس؟ كم كتاباً تكلم عن أنك صنيعة الموساد؟ والوقائع تثبت ذلك ولا شيء من ممارساتك ينقضه؟
هل النهّاب ثائر يا قذافي؟ أتذكر إذا أغضبتك سويسرا فأعلنت عليها الجهاد وتأسلمت يومها؟ وكفرت سائر دهرك. فما عرفناك إلا كذلك وبؤت بكفرك وعهرك!
وقد عجّب القرآن من الانقسام في حق المنافقين، فكيف ننقسم في موقفنا من أكفر الفراعين، فقال: "فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً"
2- أفنجعل المسلمين كالمجرمين:
نسيتْ بعض الفضائيات أننا اكتوينا بنار الكيل بمكيالين الذي مارسته أمريكا، فقامت تكيل بمكيالين وتخسر الميزان. فمحطة أو قناة الرأي "مشعان الجبوري" التي تناصر الثورة في العراق، تناصر القذافي في ليبيا ضد الثورة الشعبية، وتسميهم -أي الثوار- "المسلحين"، وتزور صور احتفالات في الزاوية ولا أحد يظهر في الصور احتفالاً بطرد المسلحين وعودة جيش القذافي. ويا رأي مشعان.. يا من كنا نظن فيكم الوطنية ومقاومة الاستعمار ووكلائه ومشاريعه في المنطقة فما حوّلكم؟ وهل انطلى عليكم فعلاً أن القذافي ثائر؟ وعلى من ثار ويثور هذا الثور؟ ولماذا يقول القذافي: "إن زوال نظام حكم القذافي خطر على "إسرائيل" والدول العربية وأوربا وأمريكا والعالم؟"
وهل الشعب كله غلط، والمجنون وأفراد أسرته هم على صواب؟ وهل أتاك يا أخ مشعان يا من كنت في الجزيرة تلعلع بصوتك العالي ضد خونة العراق وتقع معهم في عراك، هل أتاك نبأ تجميد أرصدة القذافي في كل أنحاء العالم أم أن هذا من جملة الأكاذيب والتضليل؟ أم أن هذا أتاك وهو الذي أغراك؟ هل تراك..؟
المناضل المقاوم لا يساوم يا أخ مشعان. وكيف تقول يا مشعان: الدعاء موضة قديمة بطلناها، وسنقاتل مع القذافي غير عابئين ولا مكتفين بالدعاء؟ من أعان على قتل مسلم تعرف حكمه!
لا نحب أن نخسر قلماً حراً وصوتاً جهيراً. لكنا مستعدون لذلك إذا أصر أصحاب هذه الأصوات على التبعية لأصحاب المليارات!
وإذاعة القدس حاملة لواء القضية الفلسطينية ومتابعة الثورة المصرية لحظة بلحظة الساكتة عن الثورة الليبية كل لحظة.. ما بالها؟
هذا الازدواج في المواقف يجعل صاحبه فاقد المصداقية.. ولو تبنى القضية الفلسطينية! ليس يقبل من أحد أن يقف إلى جانب ثورة مصر ولا يقف إلى جانب ثورة ليبيا. وثورة ليبيا عرت حاكمها أكثر من أي نظام عربي وظهر أنه أكثر توحشاً من دولة العدوان المحتلة لفلسطين، فهل نسوغ لإسرائيل احتلالها وعدوانها؟
لقد بان مبارك متحضراً جنتلمان أمام جنون القذافي ودمويته، وكأنه أي الحقيد "غراتسياني" الطلياني بعث في ليبيا ليكمل مهمة الطليان!
أفيحتاج القذافي بعد سيل الدماء إلى بيان وبرهان أنه عدو الله وعدو الشعب وعدو الأمة؟
أفيحتاج القذافي إلى وحي جديد ينزل بكشفه: "ولتعرفنهم في لحن القول"! أما عرفتموه من وصف الشباب المؤمن بما فيه هو من حبوب هلوسة وعمالة؟ أما عرفتموه من زنقة زنقة؟
كيف لم تعرفوهم والله يقسم في كتابه على معرفتهم من مجرد سماع أقوالهم، والله تعالى لا يخطئ، فالمخطئ هو الذي لا يريد أن يفهم. أما دلكم على هجره وفجره وصف المسلمين بما وصفهم؟
أرضيتم بوصف شعبه بالجرذان؟ أين غيرة الإيمان يا من تزعمون أنكم ممثلو الإيمان؟ أما بلغكم يا بعض المشايخ أن كل ملتح في ليبيا كان يستتاب؟ واللحية عندكم فرض في السنة والكتاب!
3- اللص غير الظريف:
هذا الحاكم الذي لم يكتف بظلم شعب كريم طيب أصيل صابر عظيم مجاهد، وإنما جمع إلى الظلم ما لا يقل فداحة وإيلاماً: الإفقار والنهب المنظم، والإفساد، وجمع مليارات النفط، وترحيل المسروقات إلى كل بلاد الدنيا عدا بلده العظيم.. حتى لا تتحسن معيشة شعبه. أفيختلف على حاكم كهذا؟ أفينقسم الناس بإزائه في آرائهم إلى فسطاطين؟ الأمر لا يحتمل خلافاً فالقذافي لا يختلف فيه أو عليه اثنان، ولا ينتطح فيه كبشان ولا تيسان ولا عنزان، ولا يتناقر ديكان!
بلد صغير في عدد السكان –نسبياً- يبيع سنوياً بما يزيد على أربعين بليوناً من الدولارات من النفط الممتاز والمطلوب.. كيف لا يكون هذا البلد لؤلؤة أفضل من دبي، وبدل أن يكون كذلك فإنه في فقر ساحل العاج، لماذا يا عقلاء؟ أفتجويع الناس وتوزيع ثرواتهم على كل بنوك الأرض باسم الحقيد وذراريه مما يمكن أن يجد تسويغاً أو تبريراً..؟ أيقبل الدين بالسكوت على هذا ثم على ذراريه من بعده؟ وأين مفتو آخر زمن الحسين بن علي وسعيد بن جبير؟ ليتهم درسوا على أيديكم إذاً لتغير مجرى التاريخ! هذا اللص حكمه قطع يده وقطع دابره!
وكما قال أحد الحكماء، وننقل حكمته عن الدكتور الساخر هشام جابر: "من يسرق من مال أبيه ليطعم اللصوص.. يخسر والده ولا يربح اللصوص" ولا نامت عين القذافي.. اللص غير الخافي.. وكما يقول تهامي منتصر في "آخر ساعة" عدد3984: عدو عاقل خير من زعيم مجنون أخرق. هذه الحكمة تتألق مع المشهد الليبي.
4- لا تجتمع الأمة على ضلالة:
الشعب الليبي انتفض على الجلاد. كل الشعب نبض واحد. وإذا استثنيت حفنة من المرتزقة مثل بلطجية مبارك، قد ربط القذافي مصالحهم به وبخدمته، فصاروا بدفاعهم عنه يدافعون عن أنفسهم وعن مكتسباتهم، استثن هؤلاء، فبقية الشعب الليبي منتفضة، حتى في طرابلس التي تطبق عليها قبضة القذافي الحديدية يعتصمون في المساجد ويعلمون ما ينتظرهم من قتل أو عنف أو سجن أو خطف..
ومن بعد الشعب الليبي كل العواصم العربية ومن كوالالمبور إلى طنجة ومن صلالة إلى إسطنبول، أمة مجمعة تتظاهر تأييداً للشعب الليبي ومناهضة للقذافي، أفهذه الأمة تجتمع على ضلالة وخروجها فتنة يا أيها المفتونون؟ أهذه الأمة تحركت وقدمت أبناءها شهداء ولم تنتظر فتاواكم فهي إذاً منفلتة من عقلها ومن ضوابط الشرع..؟ وهل علماء ليبيا الذين أفتوا بالخروج لا يصلحون تلامذة عند بعض عباقرتنا؟ أليس القذافي هو الذي سن سنة الخروج على الحاكم بالقوة؟ فمن سن سنة فلتجر السنة عليه، فلماذا نختلف عليه؟ أليس قد سخر من القرآن والسنة، فأين أنصار القرآن والسنة؟ الفتنة أن يظل القذافي يمارس على الناس الفتنة! "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة".
5- الفرعون المتأله:
وأختم هذا المقال عن فرعون هذا الزمان "مدمر قذاف الدم وقاذف شعبه بالحمم"، أختم بمقابلة صحفية كانت أجرتها مع الفرعون الصحفية الإيطالية الراحلة "أورنيلا فالاتشي" وأشارت إليها مجلة "الأفكار" اللبنانية العدد1489 السنة الثامنة والعشرون عدد28/2/2011 وفي هذا العدد صورة لبرلسكوني يقبل يد القذافي.
وقد جاء في المجلة المذكورة: "ولم ينجح إعلامي في تشخيص العقيد القذافي (الحقيد قذاف الدم في مصطلحاتنا) زمان أواخر السبعينيات، كما شخصته الصحافية الإيطالية "أورنيلا فالاتشي" وهي تعقد معه حديثاً للتاريخ في جريدة "كورييري دي لاسييرا" الإيطالية. فبعدما استمعت إليه يتحدث عن نفسه، ويشيد بشخصيته (هذا قبل 33 سنة فكيف لو رأته الآن بعد أن زاد تألهه وتألّيه على الله وعدوانه على الشعب؟!).
سألته: يا سيدي العقيد.. هل تؤمن بالله؟ أجابها مستغرباً: طبعاً أؤمن بالله. (طبعاً هو يؤمن كما يهوى وعلى طريقته وجنونه وفنونه لا كما يريد الله من العبد أن يؤمن!).
فقالت له عندئذ: "لا تؤاخذني.. لقد حسبت أنك الله"! صحفية فهمت، وبعض الناس وبعض الشيوخ وبعض رجال الإعلام لا يريدون أن يفهموا!