السياسة الخارجيَّة لمصر بعد عصر مبارك

نشر 15 مارس 2011 | 08:25

كانت الثورة المصريَّة رفضًا لعصر كامل وليس رغبةً في تغيير أشخاص، أو حتى تغيير نظام، ولحسن الحظ فإن مبارك وصل بالأمور إلى نهاياتها، ومنحه القدر عدَّة فرص وأنذره في كثيرٍ من المناسبات لعلَّه يراجع نظامه الفاسد ويبدأ بداية جديدة، ولكنه كان أضعف من أن يعترف بجرائمه، كما أنه صار أداة في يد المحيطين الذين انتفعوا من نظامه، ويهمهم استمراره ولم يغيرْ مبارك نفسه، ولكنهم كانوا يخشون أي تغيير فينقلب النظام الجديد عليهم، ويكون سيفه أسبق إلى رقابهم من فضحه وتجريسه.

 

وقد راهن المراقبون على انشقاقٍ في صفوف النظام ولأن الحق أنها كانت عصابة أحكمت قبضتها، ورصَّت صفوفها، فأدرك كل فرد فيها أنه هالك إذا خرج، أو حتى ادَّعى العصمة وجاهر بالخروج، وأقول ذلك لكي لا أبرئ أحدًا ممن يخرجون اليوم علينا ببراءة الأطفال وكأنهم تعرَّضوا رغمًا عنهم للاغتصاب، وأنهم خلال الجريمة كانوا يستعيذون بالله ويسبحون ويبتهلون إلى علام الغيوب أن يخلصهم مما هم فيه.

 

يدَّعي الآن عددٌ ممن ارتكبوا جرائم النظام في الإعلام والدبلوماسيَّة والسياسة، وكانوا أذرع النظام وقبضوا الثمن من جثة مصر، ولكنهم الآن يحاولون ادِّعاء بطولة زائفة ففجّروا مرتين؛ مرة عندما انغمسوا في الرذيلة، ومرة أخرى عندما استخفّوا بعقول الناس وزعموا أنهم كانوا ضدّ مبارك، وبعضهم كتم إيمانه رغم أنه تولَّى منصب رئيس الوزراء عدة سنوات ثم سكت عقدًا ولم يتكلم إلا بعد رحيل الزعيم.

 

في قطاع السياسة الخارجيَّة يثور التساؤل عن السياسة الخارجيَّة المصريَّة بعد مبارك، فتقفز إلى السطح ثلاثة افتراضات: الأول أن السياسة الخارجية تستمرّ كما هي نظرًا لقيود زعم النظام أنها تمسّ الأمن القومي المصري، ونفّذ هذه السياسة وزراء الخارجيّة ومدير المخابرات، ولا مجال لتبرئتهم، وهم الذين يدفعون اليوم إلى استمرار هذه السياسة، منطق هؤلاء أن الثورة لم تعترضْ على السياسة الخارجيَّة، لكنها اعترضت على قهر الحريات وفساد الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية ونهب الثروات، وما ترتب على ذلك من بطالة وغلاء وظلم اجتماعي وفقر ومهانة، فضلًا عن مطاردة أشباح الأمن للناس في نومهم ويقظتهم، ويستدل هؤلاء على صدق رؤيتهم ومبرِّر خطهم أن الثورة لم تنطق اسم أمريكا أو إسرائيل.

 

وزراء الخارجية منذ 1991 حتى الآن هم المسئولون عن كوارث السياسة الخارجيَّة وهم الذين يحذرون من أيّ مساس بخطها، بحيث يقتصر التغيير على رأس النظام، وما تيسر مما يلحق به وبأسرته المباشرة، حجتهم أيضًا أن التخلص من الفساد كليةً يتطلب إنشاء مجتمع جديد تمامًا؛ لأن نسبة كبيرة من جسد النظام البيروقراطي قد فسدت.

 

الافتراض الثاني هو أن الثورة كانت ثورة على مبارك ونظامه وما يمثله، خاصَّة أن علاقاته الخارجية امتدت سلبياتها إلى حياة المواطن المصري، بل إن علاقاته الخارجية بُنيت على أساس إطلاق يد الخارج في مقدرات مصر مقابل أن يطلق هذا الخارج يد النظام في قهر الشعب حتى لا يعترض، والأمثلة لا تُحصى ولا تقع تحت عد، تكفي الإشارة إلى أن الغاز المصري كان يصدر إلى إسرائيل ومصر بحاجةٍ إليه، وكان المواطن المصري يدفع دعمًا يذهب إلى جيوب اللصوص قدره خمسون مليون جنيه يوميًّا، أي حوالي 3 تريليونات جنيه كل عام، وذلك مدة العقد وهو 15 : 20 عامًا، هذا فقط في مجال أسعار الغاز، وقد تنصَّل الجميع من هذه القضية- الفضيحة، كما أن نظام مبارك الفاسد أدمن طبعًا إفساد القضاء، فإذا أفلت حكم كحكم الغاز رفض النظام تنفيذه والتفت عليه، القضية الخطيرة الثانية هي مجمل الأعمال التي تنمُّ عن تقزيم مصر وانعدام هيبتها في الإقليم، والآثار المترتبة على ذلك في حياة المصريين، فقد سلَّم النظام سيادة مصر للخارج بينما توحَّش على شعبه فأذله وأفقره وأمرضه وأهانه وضيَّع كرامة مصر بين الأمم، كما ضيَّع مصالحها الاستراتيجيَّة تحت مزاعم أعمال السيادة والأمن القومي، فتواطأ النظام في ارتكاب جريمة إبادة غزة تحت عنوان جدار مبارك الفولاذي الذي تبارى كهنة مبارك من الشيوخ وكتبة النظام في دعمِه وتبريره وتسويقه ومهاجمة من ينتقده، حتى أن الشيوخ قد وصموا نقَّاده بالكفر وسوء العاقبة، أما قضية مياه النيل فهي جريمة كبرى ارتكبها النظام بسبب تساهله مع مؤامرات إسرائيل في دولة المنابع ووضوح مخططها في تدمير مصر حسب اعتراف مدير المخابرات العسكريَّة عاموس يالدين، وتأكيده أنه جنَّد كل مفاصل الدولة المصرية لخدمة إسرائيل.

 

أما السبب الثاني فهو ضعف الدولة المصريَّة وغيابها في الداخل سوى أسنانها الأمنيَّة ضدّ كل من ينتقد الفساد الضاري وسلوك عصابة مبارك، وغياب الدولة في الخارج وانعدام تأثيرها، بل وامتهان وزراء خارجيتها لإفريقيا وإعداد السفارات المصرية فيها كمنفى عقوبة لكل من عدم الواسطة، أو من المعارضين أو من تجرَّأ وازداد علمًا وفطنة؛ لأن الخارجيَّة هي بالطبع جزءٌ أصيل من النظام وما دامت عقيدة النظام هي تدمير مصر عمدًا في كل الساحات فقد تَمَّ تدمير قطاع السياسة الخارجيَّة، حيث لعبت مصر دور البائع للخدمة، مثلما حدث في وساطتها بين فتح وحماس بقصد تطويع حماس، ودورها مع أمين عام الجامعة العربية في إفشال قمَّة الدوحة خلال محرقة غزة عام 2009م والتي لَخَّص حالَها حينذاك أمير قطر بقوله: حسبي الله ونعم الوكيل، وهذا هو السبب الأساسي في عداء النظام لقطر وقناة "الجزيرة" لأنها كانت المتنفَّس الوحيد لكل صوت معارض مع عناصر النظام بالطبع، لكن "الجزيرة" تحدَّت قاعدة النظام في عزل الأصوات التي تنبّه الشعب إلى مفاسد النظام، ولم تكن مفاسد النظام داخل الخارجيَّة خافية على أحد، ولكنني نبَّهت إليها بصوتٍ عالٍ في استقالتي المنشورة والمسبَّبة بتاريخ 12 أغسطس والتي تداولها الإعلام اعتبارًا من 15 سبتمبر ولأكثر من شهرين داخليًّا وعربيًّا ودوليًّا.

 

فما هي خطوط السياسة المصريَّة الخارجيَّة خلال المرحلة الانتقالية وما بعدها؟

 

أظنُّ أن إسرائيل شعرت تمامًا بالخطر لأنها فقدت "كنزًا استراتيجيًّا" على حدّ قولها في حسني مبارك الذي باع بلده لعدوِّه مقابل السكوت على فضائحه وجرائمه التي أقوم كما يقوم غيري برصدها وتوثيقها لتقديمه إلى محاكمة دوليَّة تكشف جرائم عصر بأكمله.

 

لا أظنُّ أن توظيف مصر لصالح إسرائيل وأمريكا على حساب المصالح المصريَّة سوف يستمرُّ سواءٌ كان ذلك في معاهدة أو غيرها، لأن النظام الديمقراطي سوف يسعى إلى إعلان مصالح مصر باعتبارها جزءًا من الأمَّة العربيَّة والإسلاميَّة وليس بصفتها ساحة لمغامرات إسرائيل، والبقاء للديمقراطيَّة المشروعة لا الديمقراطية العنصرية في إسرائيل.

 

هذا هو الدرس الأول، وليدرك الجميع أن سياسة مصر سوف تخدم أبناءها ومصالحها ولن يتمَّ تأجير مصر في سوق النخاسة مرةً أخرى لأطراف عقدت عزمها على دمارها.

 

بعبارة أخرى فإن السياسة الخارجيَّة الجديدة سوف تتراوح بين منهجين الأول: أن تساند القضايا العربيَّة والإسلاميَّة مساندةً مباشرة بما ينعكس على المصالح المصريَّة بمعناها الأوسع مثلما كانت مصر في العهد الناصري وتحمَّلت مصر في سبيل ذلك تضحياتٍ وواجهت تحديات، ويبدو أن هذا هو الطريق الطبيعي لمصر الذي رَسَمه القدر لها، ولكن يمكن أن تكون مصر طرفًا أساسيًّا في منطقتها والعالم مثل تركيا إذا توفَّرَت لها قيادة ذكية تدرك قيمة مصر وأهميتها وتقود المنطقة إلى أهدافها المشروعة.

 

المنهج الثاني: هو أن توظِّف مصر علاقاتها الخارجية لإعادة بناء ما دمَّرَه نظام مبارك، ومما يسهم ذلك تعاطف من العالم كله مع مصر وإعجابه بثورتها وتعاطفه مع رغبتها المشروعة في إقامة نظام ديمقراطي، وقد لا يتسع المقام لتفصيل إجراءات هذين المنهجين، ولكن الواضح أن مصر لن تستطيع بعد اليوم أن نبتعد عن الخطوط الأساسيَّة الآتية:

 

أولًا: أن مصر جزء من الأمَّة العربيَّة والإسلاميَّة وأن دورها لتأكيد هذه الهوية بعد اغتراب طويل سوف يفرض نفسه.

 

ومعنى ذلك أن الجامعة العربيَّة التي كانت جامعة الدول سوف تصبح جامعة الشعوب وأن الأمين العام موظف الحكومة المصرية والمتماهي مع النظم السابقة لن يصلحَ في المرحلة الجديدة ولا يمكن أن يغير جلده في يوم وليلة لأنه كان مرشح النظام البائد في مصر والمقبول من النظم المماثلة، ولذلك يجب أن نفتح الباب من الآن لمناقشة مستقبل الجامعة العربيَّة والنظام الإقليمي العربي.

 

ثانيًا: أن العلاقات بين مصر وإسرائيل لن تكون قطعًا كتلك التي تمتعت بها إسرائيل في عهد مبارك الذي كان كما قالت إسرائيل الكنز الاستراتيجي لها، ولذلك لا بدَّ أن تلتزم مصر بالوضع القانوني لمعبر رفح الذي يلزم فتحه طول الوقت مع تنظيم استخدامه فقد مضى الزمن الذي كان فيه النظام يتواطأَ مع إسرائيل لتنفيذ مؤامرتها ضدّ الشعب الفلسطيني.

 

ثالثًا: أن علاقات مصر العربيَّة سوف تتعزَّز وسوف يكون لمصر قولًا في كل القضايا العربيَّة.

 

وباختصار فإن مصر سوف تستعيد الفراغات السياسيَّة والإقليميَّة التي تركتها، والتي تقدَّمت عليها دول أخرى وهي إسرائيل وإيران وتركيا.