حريةٌ على ضفافٍ دامية

نشر 14 مارس 2011 | 11:28

يبدو أن العام الحالي 2011 يحمل بين طياته مفاجآت متعددة، فما إن تمضي إحداها أو تكاد حتى تدفعها أخرى محاولة الاستقرار في مكانها من حيث الصدارة والحضور أو التوهج الإعلامي، البداية كانت في يناير ومن تونس، وهي البلد التي جعلت أنظار الملايين ترنو إليها بعدما سجلت تاريخيا أن شعبها كان الأسبق في انتزاع حريته من بين أنياب تنين مستبد حكمه لعدة عقود.

 

منذ فجر التاريخ جاء النبي محمد "صلى الله عليه وسلم" بدعوته إلى الناس وحمل بين دفتيها الاحترام والتقدير للنفس البشرية وكان ذلك مكللا بقوله "لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى"، وهو لم يتحدث قولا فقط، وإنما جعل لفعله طريقا ممهدا يرى من خلاله الناس نور الحرية، وليس بعيدا عنه قرر الخليفة الثاني للمسلمين عمر بن الخطاب بـ" أن الناس والبشر أنجبتهم أمهاتهم  إلى هذه الدنيا أحرارا ولا يستطيع أن ينزع منهم أحد هذه الحرية –بكل تجلياتها وأقسامها- كائنا من كان". 

 

إن حرية الرأي والتعبير حق أساس كفلته كل الشرائع والقوانين دينية كانت أو بشرية، لتيقنها الكامل بأن هذا الحق هو الذي يجعل للإنسان كينونته في بلده وبين شعبه، كما أن الاختلاف بين البشر في الآراء والمعتقدات هو الميزان لتلبية مصالح مختلف الأطراف، فالمعارضة عندما تنتقد السياسات الخاطئة في بلدانها، فهي بذلك تحاول أن تقوِم اعوجاجا لسياسات الحاكم، وبذلك تكتمل حلقات الحياة فيما بين الحاكم والمعارض، وهذا بكل تأكيد في بلد يحترم هذا الحاكم معارضه، وإن كان غير ذلك تحولت البلد إلى فوضى عارمة.

 

وفي المحصلة، فإن احترام رأي الفرد وتوجهاته تجعل منه عنصرا ايجابيا وفاعلا في خدمة وطنه وبلده تدفعه للدفاع عنه والتصدي بكل ما أوتي من قوة لأية أخطار قد تهدده، ويذهب الفيلسوف "جون ستيورات ميل" لأبعد من ذلك في تأكيده على قيمة رأي الفرد المخالف، فيقول "إذا كان البشر يمتلكون رأيا واحدا، وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأيا مخالفا، فإن إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة".

 

قوانين دون تطبيق

المجتمعات الإنسانية برمتها والعالم العربي جزء أصيل منها، كل قوانينها ودساتيرها تؤكد وتخصص المساحات الواسعة للمواد القانونية التي تحافظ على حرية الإنسان والحفاظ على حقوقه كحق التعبير والوصول إلى المعلومات بسهولة واعتناق الآراء السياسية التي يجدها متوافقة مع فكره، وهذه المواد القانونية تشدد على الحرية في تشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات والمؤسسات الحزبية، ولكن وعكس من ذلك يكون التطبيق، فنصوص تلك القوانين ومن يقرأها يعتقد أنه سيكون أمام واحة واسعة من الحرية والديمقراطية والمساواة، غير أنه عندما يلامس الواقع يصطدم بصخور صماء، سرعان ما تشُن عليه هجوما مضادا يكون كفيلا بأن يجعله في أحد الأماكن التي لم يكن يتوقع وجوده فيها ذات يوم –بالطبع نظرا لقوانين تلك البلاد-، فهو إن خالف تفكيره تفكير الحاكم لتلك البلاد أو اعترض على سياسته "الفاشلة" في إدارة البلد التي هو أحد مواطنيها، فحتما سيكون ذلك المعترض إما مسجونا أو منفيا، وربما لا يرى الشمس مع وجبات تحقيق لا تحتملها الحجارة، وإن لم يستجب لإرادة الحاكم بعد هذا التعذيب والإرهاب الفكري أو أنه قرر الانتصار لوجهة نظره الصائبة، فحينها سيتوقف عداد حياته عند هذه المرحلة.

 

وبين سطور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نتوقف، وهي وقفة ضرورية كلما شاهدنا بأن هذه القوانين تذهب أدراج الرياح، ولكن التوقف عند هذه البنود والمواد القانونية يجعلها حجة على منتهكي هذه الحريات ليوم الحساب الذي بات قريبا بالنسبة لأنظمة دكتاتورية ومستبدة حكمت شعوبها عقودا طويلة من الزمن.

 

تنص المادة الأولى من الإعلان على "أنه يولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلا وضميرا وعليهم أن يعامل بعضهم بعضا بروح الإخاء"، وأمام هذا النص القانوني كيف للإنسان العاقل أن يتصور ما تقوم به الأنظمة العربية الحالية التي كتمت أنفاس شعوبها لسنوات طويلة، وحينما أرادت تلك الشعوب أن تطالب بتغيير أنظمتها بعدما رأت منها فسادا عظيما، كانت المدافع في وجوهها، والبلطجية بانتظارها وتشويهها بممارسات يندى لها جبين الإنسانية، فهي تسير بسلسلة طويلة لا تتوقف، تبدأ من المطاردة والملاحقة والتعذيب وتمر بالاغتصاب والترويع، وليس انتهاء بالقتل انتقاما من كل من يفكر في مجرد تفكير في رسم خارطة وطنه بألوان زاهية مضيئة بعيدا عن عصور الظلام والدكتاتورية.

 

وفي الوقت الذي يزداد الإنسان حسرة ويتمزق قلبه ألما على ما يجري من مجازر هذه الأيام في ليبيا، تقف العيون شاخصة وهي تدقق النظر في نص المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تنص على "أنه لا يعرض أي إنسان للتعذيب وللعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة"، هو نص قانوني جميل في معناه، ولكن في أي سياق يمكن وضع ما يجري من أحداث في ليبيا واليمن ومصر وتونس وغيرها بالمقارنة مع هذا النص القانوني؟ ثم أليس المفترض احترام البشر كبشر؟ ولماذا لا يستجيب أولئك الحكام لإرادة شعوبهم ويغادروا دون دماء؟ ألا يكفيهم هذه الأعوام الطويلة من الحكم وسلب خيرات شعوبهم التي جعلوها أسيرة الفقر والحرمان في بلاد خيراتها "إن أُحسن استغلالها" تكفي العالم بأسره؟ ألا يشبعون من الأموال والكنوز التي هي ملك لشعوبهم؟ أو أنهم يعتقدون أن شعوبهم ستموت إن ابتعدوا عنها.. وأنا أطمئنهم أن تلك الشعوب فيها من الكفاءات ما يجعل منها تحكم وتسير نحو جادة طريق الصواب بدلا من حكام حادوا عن درب شعوبهم كثيرا.

 

أدنى مستويات الحريات

 

أجزم بأن الحديث عن احترام حريات وحقوق الإنسان "في العالم العربي مجال حديثي" لا يرتقي إلى أقل مستوى كفلته كل الشرائع والأعراف المجتمعية والدينية، هذا عدا كافة القوانين والدساتير "المكتوبة" لتلك الدول، ومن خلال الممارسة التي تقوم بها الأنظمة الدكتاتورية في الوطن العربي بحق شعوبها لا يمكن للإنسان أن يتحدث عن احترام تلك الأنظمة للمادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تنص على أنه "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية".

 

وفي تشريح مبسط لهذه المادة من خلال عكسها على مرآة الواقع العربي الذي يشهد ثورات في هذه البلدان، يمكن توصيف بعضا من انتهاك الحقوق الإنسانية العربية في التالي:

 

-      في تونس حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي لعقود من الزمن مارس خلالها أصنافا من العذاب بحق شعبه لا يتصورها عقل بشري، فلا مجال لحرية العبادة أو الالتزام لأي شخص فهو يؤمن أن مبادئ حزبه ينبغي أن يلتزم بها كل شعبه حتى وإن تعارضت مع ديانته، وخيرات بلاده فهي لزوجته وأقاربها إلى جانب عائلته وحاشيته.. الاعتقال والحجب السياسي للآخر يمارس من أبوابه الواسعة، وأمام ذلك وجد الشعب ضالته وتفتحت عيونه بعدما انتفض البوعزيزي وقرر التمرد على هذا الواقع، ولكن أمام إرادة الشعب لم يعقل بن علي مطالب الشعب واستخدم عنفا مفرطا مع المتظاهرين، فأوقع في صفوفهم القتل والتعذيب، وزاد من الضغط عليهم، ليزيد ضغطهم عليه مع زيادة شلالات دم شعبه في شوارع تونس، وهي صورة لم يكن الشعب يقبل تجاهها إلا برحيل بن علي، الذي لم يبق أي خطوط حمراء أو غيرها لحماية حقوق الإنسان أو المعارضين لأفكاره وتوجهاته.

 

-      وفي مصر الدولة العربية التي تعتبر بمثابة حاضنة الوطن العربي، مارس نظام محمد حسني مبارك أسوأ الأساليب في قمع الآخر، ففيها حظر الحزب الحاكم الأحزاب السياسية ذات التوجهات الإسلامية المخالفة لأفكار الحزب الوطني الحاكم، وفيها باستمرار يتم تزوير الانتخابات وبصورة علنية ومفرطة –وهو أحد أسباب الثورة الأخيرة- وفيها تنهب الخيرات ليعيش حوالي 30% من أبنائها تحت خط الفقر وحوالي ثلاثة ملايين مصري لا يجدون لهم مسكنا إلا المقابر بعدما تلاشت فرصتهم في العيش الكريم من خيرات بلادهم، ومصر ذاتها التي كان وزير خارجيتها ذات يوم شاهدا على قرار حرب غزة دون كرامة منه للاستنكار أو حتى تحذير غزة بالخفاء مما هو آتيها من الغرف المظلمة، وهو ذاته النظام الذي اعتقل الفلسطينيين وحقق معهم عن خطط المقاومة ضد الاحتلال، وسوى ذلك فهناك تراكمات كثيرة على مدار أكثر من ثلاثين عاما "فترة حكم مبارك" جعلت من الشباب المصري لا يخشى أداة القمع الأمنية المصرية ليخرج في الشارع مطالبا بالتغيير مهما كلفه ذلك من ثمن، لينجح في نهاية مشواره الطويل في انتزاع مبارك عن عرشه والبحث عن غيره.

 

-      أما في ليبيا التي قررت هي الأخرى البحث عن وجه غير معمر القذافي الذي لم ترَ سواه على مدار أكثر من أربعين عاما، فكان رد الأخير الأشد حدة حينما وصل لدرجة استخدام الطائرات والسفن والمدافع الحربية وراجمات الصواريخ، ليس في مواجهة عدو أول محتل لبلاده، وإنما لإخماد ثورة شعبه، فيقتل المئات ويصيب الآلاف ويتحدث "أنه لم يستخدم القوة بعد" والمجتمع العربي والدولي في حالة سكون لأسابيع طويلة، ولا تحرك فعلي لدعاة الحرية وحقوق الإنسان تجاه وقف حمام الدم في ليبيا، أقصد من الدول العربية "التي تعيش حالة من الذل والهوان وأنا أعني الأنظمة طبعا" والدول الأوروبية والولايات المتحدة تتحرك ولكن بخطابات رنانة لن توقف جنون القذافي ومرتزقته ضد شعبه.

 

لا أتوقع كثيرا من الولايات المتحدة أن تتدخل لوقف حمامات الدم في ليبيا، تماما كما لا أجد ما يؤمل بتدخل الأنظمة العربية لحماية الشعب الليبي، فكل نظام منشغل الآن للإعداد في مواجهة مخاطر ثورات شعبه القادمة إليه لا محالة بحثا عن حريتها وحقوقها، ثم إن أميركا لا يمكن أن تكون المدافع عن حقوق الإنسان ولا أنظمتها العربية الحليفة، فهم الذين لعبوا الدور الأبرز في انتهاك الحقوق الإنسانية، وللإنسان أن يشاهد باستمرار ما يجري في العراق وما يدور في أفغانستان ومجزرة حليفة أميركا في غزة مطلع العام 2009م.

 

إن التدخل لهذه الدول أو الأطراف مرتبط أساسا بمصالحها قبل أن يرتبط بحقوق الإنسان، فإن كان لها من مصلحة تعود عليها بالنفع من وراء التدخل وجدنا الجيوش تحركت قبل انتظار نتائج القمم وتكون الديباجة دوما بأن "التحرك جاء للحفاظ على الديمقراطية وحقوق الإنسان"، وإن لم يكن لتلك الأطراف مصلحة في التدخل فهي تترك حلفائها تطحن شعوبها، لتأتي بعد ذلك تمتطي موج تغيير تلك الشعوب وتقول بـ" أنها تحترم إرادة الشعوب في التغيير" فهي لا تريد قطع حبل مصالحها في الدول العربية.

 

وهكذا فإن المتابع جيدا يدرك أن معيار التدخل لأي طرف تجاه حقوق الإنسان أو الحفاظ عليها في أي بلد من البلدان إنما هو مرتبط بالأساس بالمصلحة ليس إلا.

 

خسائر وإنجازات

 في كل الثورات التي تدور لا بد أن يكون من ثمن، وهو ثمن كبير إذا ما كان وزنه هو دماء الشباب والشيوخ والنساء، وفي ذات الوقت فهو ثمن ينبغي أن تدفعه الشعوب التي قررت انتزاع حريتها من بين شدق الأنظمة الدكتاتورية المستبدة.

 

في تونس كلفت الثورة المئات وكذلك في مصر وليبيا ولا يزال الدم يزف على مفترقات طرق تلك الثورات التي تنتقل من عاصمة إلى أخرى، هذا أمر طبيعي جدا أمام أنظمة حكمت شعوبها وجلست فوق أنفاس شعوبها لعقود تلو أخرى، فهي تجد أنها وجدت في هذه الدنيا لتحكم وبالطريقة التي تراها تخدم مصالحها والمتمثلة في إقصاء الآخر بأي طريقة كانت "قتلا أو إرهابا أو تعذيبا" فكل شيء مباح أمامها.

 

ومن الجهة الأخرى وهي الأهم، فقد كانت الشعوب العربية والإسلامية سابقا لا تفكر بمجرد الحلم في نومها بتغيير واقعها خشية من الرد من تلك الأنظمة لمعرفتها المسبقة بها، ولكننا نجدها في هذه الأيام قررت الانتفاض والثورة بصدورها العارية، في مواجهة طائرات ومدافع ومرتزقة، فهي تعتقد أن كل تلك التضحيات تهون في مقابل العيش ولو وقت قليل في ظلال الحرية الوارفة.

 

تكشفت بعض وجوه الثورات العربية في العام 2011 الذي يمكن تسميته بعام الثورات العربية، منها ما كان مدنيا تم مواجهته أمنيا بصرامة كما في تونس ومصر، وآخر بدأ مدنيا وتحول إلى عسكريا بعدما أراد العقيد معمر القذافي أن يوصله لهذه المرحلة، وستكون الأمور في باقي الدول العربية على هذه الشاكلة البداية مدنية ولكن كيفية النهاية ترسمها حتما الأنظمة الحاكمة هذه الأيام داخل غرفها المظلمة وهي بالمحصلة لن تبتعد كثيرا في كونها ستعتمد الأسلوب القمعي في مواجهة شعوبها.

 

أمام ما يريده الحكام وما تقرره الشعوب تتجسد الإرادة الشعبية، فهي تعتقد أنها باتت تمتلك قرارها وداست على زمن كان المُقرر لإرادتها فيه شخص "الرئيس أو الملك أو الحاكم" وهي قررت انتزاع حريتها، حتى وإن كانت بتلك الحرية ستجلس على ضفاف دامية من الأرواح، ولعل ما يدفعها لأن تعيش على ضفاف دامية لوقت قصير "فترة الثورة" هو يقينها بغد مشرق من الحرية والعدالة والحكم الرشيد، وهو لن يتحقق إلا بهذا الثمن.

 

صحفي فلسطيني من غزة

Ayman.dalloul@hotmail.com