أينما يمّمت وجهك صوب قطاع غزة تلحظ حركة عمرانية واسعة النطاق، وأينما أخذتك قدماك تجد نشاطاً دءوباً وورش عمل مفتوحة في معظم شوارع القطاع الرئيسة والفرعية، في غزة ورفح وخان يونس والبريج والنصيرات وكل المناطق بعد توقفٍ استمر عدة سنوات تفاقمت فيها معاناة المواطنين وضجّوا من عرقلة تنفيذ المشاريع الحيوية وتوقفها منذ أن فازت حركة حماس بالانتخابات التشريعية؛ وتوليها زمام الأمور حيث صدرت قرارات من الجهات المانحة بالتوقف عن تمويل مشاريع البنى التحتية والتي تسهّل على الناس حركتهم وحرية تنقلهم، وهو ما اعتبر يومها عقاباً جماعياً ضد إرادة المواطنين وخيارهم الديمقراطي، ولتكشف هذه القرارات عن الوجه الحقيقي للدعم المقدم والأموال التي كانت تدفع مقابل مواقف وتنازلات هنا وهناك.
أدركت الحكومة الفلسطينية منذ البداية طبيعة الدور المطلوب منها حتى يتواصل تدفق المعونات والمنح، وبعثت إليها أطرافٌ عدة رسائلَ الابتزاز والمقايضة إلا أنها أبدت رفضاً وتمنّعاً، ولم تقدم أية إشارات للخضوع للضغوط والإملاءات وتقديم التنازلات مقابل استمرار الدعم وتلقي الرواتب ومواصلة تنفيذ المشاريع، واختارت أن تنحاز لشعبها ومبادئها وإن كلفها ذلك ثمناً باهظاً، معبّرة عن موقفٍ استراتيجيّ عنوانه عدم تلويث يدها بالمال السياسي، وأن تبقى وفية لشعبها الذي منحها ثقته.
اعتمدت الحكومة الفلسطينية منهجية جديدة لتنفيذ المشاريع الحيوية وخاصة المتوقفة منذ سنوات، وحددت أولويات العمل والإنفاق، وتمكنت خلال فترة وجيزة من حل العديد من المشاكل المالية للموظفين العاملين في البلديات المختلفة رغم الضائقة التي كانت تمر بها، واستطاعت أن تجدول رواتبهم وتصرفها ضمن خطة وضعتها بالاشتراك مع الجهات المختصة، وقامت وفق ما هو متاح بترميم الشوارع وصيانتها بدلاً من استكمالها وتنفيذ مشاريع حيوية جديدة بسبب منع إدخال الإسمنت والمواد اللازمة للعمل، وتحايلت على الواقع بتنفيذٍ مؤقت وطارئ لبعض المشاريع تماشياً مع الظروف الخاصة التي فرضت على الحكومة إدارة أزمات متتابعة رغم أن ما تم تنفيذه كان دون طموح المواطن وتطلعات الجهات المسئولة، فتقدير الموقف ومراعاة الحالة الخاصة طيلة سنوات الحصار جعل الجميع يقف خلف الحكومة ويعذرها بل ويفتخر بها ويدعمها لتمكنها من مواصلة العمل وخلق بدائل سريعة ومؤقتة وابتكار أفكار خلّاقة تحول دون تقديم تنازلات في المواقف والثوابت، وهو ما شجع الحكومة على الاستمرار ضمن حالة من التحدي عززه الالتفاف الشعبي حولها، ولم ترغب الانتظار طويلاً حتى يرفع الحصار بالكامل، فحاجات الناس كثيرة، وهمومهم أكبر من أن ترحّل لفترة قادمة.
انتظرت الحكومة الفرص المتاحة لإنهاء معاناة المواطنين واستكمال تنفيذ المشاريع الحيوية وتأهيلها، فأبرمت اتفاقيات مختلفة مع الشركات المحلية لإعادة الحياة إلى شوارع غزة بإمكانات ذاتية، واستغلال ما يدخل من إسمنت ومواد بناء، كما اتخذت قراراً هاماً قبل فترة يقضي بتخصيص جزءٍ كبيرٍ من عوائد الضرائب الشهرية لصالح وزارة الحكم المحلي التي تنسق وتتعاون مع البلديات والمجالس القروية في ترميم وتأهيل البنية التحتية والأساسية للشوارع والطرق من أجل تخفيف وطأة المعاناة والضيق اليومي الذي يكابده المواطنون.
إن ما قامت به الحكومة خطوة في الاتجاه الصحيح وقد حققت في ذلك عدة أهداف منها تأكيد قدرتها على الاعتماد على ذاتها، وتوفير الميزانيات اللازمة للمشاريع الحيوية دون قيودِ وشروط المانحين، وأعطت القرارات المجال لاستيعاب العاملين وتشغيلهم وتقليل البطالة ولو بالحد الأدنى، كما ألقى القرار بالعبء والمسئولية على المؤسسات والشركات الوطنية الفلسطينية لتتحمل مسئولياتها وتنفذ المشاريع بكفاءة وقدرة ذاتية.
إن الإحساس بالمسئولية وتقدير عظم الأمانة جعل الحكومة تتحرك في كافة الميادين، وتستثمر طاقاتها لتنفيذ ما وعدت بها المواطنين متجاوزة الحصار وشح المواد واشتراطات المانحين، واليوم تعيد الحكومة إلى شوارع غزة الحياة من جديد وقد حولتها إلى ورش عمل مفتوحة يكون المواطن وحده المستفيد منها.