صباح أمس وقفت متأملا كثيرا في المشهد العام للحياة، بين مستقبل ومودع، وزاهد ومتشبث، لأن الكل تارك لمكانه وتارك لدنياه، ولا أحد باق إلا الله عز وجل، يدبر الكون وفق مشيئته وحكمته، ولكننا كمخلوقات فهمنا قاصر وإدراكنا محدود، ولا نرى إلا وفق أهوائنا وأمنياتنا، ولا ندري الخير أين نتحسسه أو نتوقعه.
تأملت في الأمر وسألت لماذا هذا التمسك بالمناصب إذا كانت الدنيا إلى زوال، وليس المنصب فحسب، هؤلاء الرؤساء العرب الذين يتمسكون بكراسي الحكم، ومن أجلها يمكن أن يرتكبوا الجرائم والقتل كما يجري الآن في ليبيا وفي اليمن وكما جرى في تونس ومصر، ألا يدرون هؤلاء أن الدنيا كلها إلى زوال وليس هذه المكانة فحسب.
الأجدر بكل مسئول رئيساً كان أو زيراً أن يترك أثراً طيباً، وأن يقدم النموذج الذي يجعله في موضع الذكرى الطيبة والاحترام الكبير في النفوس والقلوب، وعندما يذكر هذا أو ذاك تجد النفس مشدودة نحوه لا أن يُنفر من سماع اسمه، ولا يرد على الأسماع ما يُنفر منه، لأنه ترك أثرا طيبا وفعلا يدعو إلى الحفاظ على الود، فلماذا لا نترك ذكرى تبقى عالقة في النفس وتفرض الاحترام.
يمر في حياتنا كثير من الناس منهم من تسعى بكل الطاقات حتى تتخلص منهم لأنك في لحظة من اللحظات تكتشف كم هم مخادعون ويبطنون ما لا يظهرون، وينتهزون الفرصة المناسبة لطعنك من الخلف رغم أنك لم تقصر معهم تخدمهم وتأخذ بأيديهم تتعامل معهم بأخلاقك وما تربيت عليه بلا عقد نفسية أو مركبات نقص، وتنطلق من منطلق الأخوة والإنسانية والتعامل بشرف، هذا النوع من البشر بعد أن تنكشف طباعهم أمامك تسعى إلى التخلص من كل ما علق في نفسك منهم، وهذا يحتاج إلى جهد كبير لأن الصدمة تكون كبيرة.
وهناك رجال لم تعاشرهم كثيراً ولكنك تشعر أنهم جزء من حياتك يعز عليك فراقهم، رجال يعرفون قدر الناس وينطلقون من نفس سوية لا يعتريها أي شائبة، ولا تحكمها اعتبارات شخصية ولا عقد نفسية أو مركبات مرضية؛ لأنه لا ينقصها شيء ووجودها في مكانها لم يكن بحد ذاته غنيمة بقدر ما هو خدمة لمشروع أكبر من الشخوص، فمكانتهم كانت مرموقة وشهرتهم ليست بحاجة إلى أدوات جديدة من أجل أن تزداد، وكل هدفهم هو تحقيق المصلحة العامة لا المكانة الخاصة، أو أن يجد حظوة لدى السلطان أو المسئول، فيمسح ( جوخا ) أو يتزلف لهذا أو ذاك حتى يقال إنه مطيع، وإن كانت هذه الطاعة على حساب الحق وامتهان للشخصية ومن أجل المنفعة الخاصة.
نعم هناك رجال ليست بحاجة إلى صقل فمعدنها براق ولا يعتريه صدأ ، ولا يحتاج إلى نافخ كير كي يعيد له لمعانه، وأن أعمالهم وتضحياتهم ومواقفهم هي التي تتحدث عنهم ولا غاية لهم إلا رضا الله ثم خدمة الوطن والمشروع الأكبر من الذوات، أنعم بهم من رجال نرجو الله أن يحشرنا معهم يوم القيامة لما لهم من مكانة في القلوب، فهم حاضرون في الحضور والغياب، ونسعى دائما إلى رؤيتهم حتى نستمد منهم معاني التضحية والوفاء والإخلاص في العمل، رعى الله من راعى ود أخيه لحظة وحفظ الله هؤلاء الرجال المخلصين الذين أينما حلوا حل الخير وحصلت البركة.