ليبيا تنزلق إلى حرب أهلية بحسب تقييمات الصليب الأحمر الدولي ، التقييم هنا ليس دقيقاً ، وليس واقعياً . لا توجد أطراف تشارك الصليب الأحمر في هذا التقييم غير العقيد القذافي وسيف الإسلام القذافي في تهديداتهما . المعارك الدائرة في ليبيا في المدن المتبقية تحت سيطرة القذافي ليست معارك قبلية أو طائفية . الشعب الليبي ليس منقسماً ولا يدخل المعركة على قاعدة الانقسام القبلي أو الأهلي.
المعارك الدائرة ليست حرباً وإنما معارك بين شعب يريد التغيير وحاكم يمتلك بقية أجهزة أمنية تواليه حبّاً وكرهاً بحكم الوظيفة والراتب والشراكة في قمع الشعب والإساءة إليه في رحلة طويلة ممتدة على مدى أربعين عاماً ويزيد . المعارك الدائرة هي بين الشعب الليبي من ناحية والقذافي والمرتزقة الأفارقة من ناحية ثانية وهذا النوع من المعارك لا يصنف في دائرة الحروب الأهلية.
ما يجري في ليبيا ليس حرباً أولاً ، وليس أهلياً ثانياً ، وإنما هي معارك مغالبة ومدافعة بين شعب يطلب الحرية وبقية نظام حكم فردي يطلب البقاء في الحكم وتوريثه لأبنائه.
الحرب الأهلية تعني غياب الحكم وغياب النظام ، وتعني الغموض والفتنة المحيّرة ، وهذه الصفات غير متوفرة على الإطلاق ، فما يجري في ليبيا ليس غامضاً ، وليس فتنة محيّرة يحتار فيها العالم وغير العالم ، فقد أفتى علماء أفذاذ هم في موضع ثقة الأمة أن القذافي طاغية مستبد وأن الثورة عليه والخلاص منه واجب فيه قربى وطاعة لله بحسب نص فتواهم.
وإن وجود معارك في الجزء الغربي من ليبيا لا يعني أن النظام قد غاب عن ليبيا، لأن النظام في حقيقة الأمر كان غائباً على مدى 42 عاماً هي عمر حكم القذافي الذي حكم البلاد من خارج النظام. وبتحرير الثوار لشرق ليبيا والمسير منها إلى غربها بدأ الشعب يقيم نظامه وحكمه على قواعد دستورية. ولعل المجلس الوطني هو النواة التي بدأت تبلور المستقبل ومستقبل الحكم والنظام ، ومن ثم ينمو يومياً في الميدان وفي السياسة الإقليمية والدولية، بينما يذوي القذافي يومياً في الميدان وفي الجامعة العربية والدول الإقليمية والدولية.
وهذا يعني أنه لا حرب أهلية. وهذه المعارك ليست مرشحة للدوام لفترة طويلة، وليست مرشحة لعودة حكم القذافي ثانية بعد أن وصفته روسيا بالجثة الهامدة، ووصفته واشنطن بالميت ، ووصفه القرضاوي بالمنتهي، وعلقت الجامعة العربية شرعيته، وأصدرت الأمم المتحدة قراراً حاسماً ضده، وطالبه أوباما بالرحيل، واعترفت فرنسا كأول دولة دائمة في مجلس الأمن، وأول دولة في الاتحاد الأوروبي بشرعية وحيدة وتمثيله لليبيا محصورة في المجلس الوطني الذي يمثل الشعب والثوار.
كل هذه المعطيات وغيرها مما يمكن رصدها تحفزني على القول بأن ما يجري ليس حرباً أهلية، وأن تحذيرات الصليب الأحمر لم تنبن على قراءة جيدة، وأحسب أن المجتمع الليبي سيعمل على تفادي مقدمات هذه النار، ومن ثمّ فهو يرفض التدخل الأجنبي رفضاً قاطعاً، ويخشى أن تكون مقولة الصليب الأحمر رأباً شخصياً يمهد للدعوة إلى تدخل أجنبي في ليبيا.