قبل يومين فقط مرت علينا الذكرى الثامنة لاستشهاد القائد المفكر الدكتور إبراهيم المقادمة (أبو أحمد) رحمه الله وأسكنه فسيح جناته . في الثامن من شهر مارس قبل ثمانية أعوام خلت رحل القائد عنا شهيداً ولا نزكيه على الله في عملية اغتيال محكمة قامت بها طائرات الاستطلاع الصهيونية . رحل عنا القائد بجسده وبقي فكره روحاً تسري في تلاميذه وفي أبناء حركة حماس.
كان المقادمة رئيس مدرسة متعددة المستويات . كان قائداً عسكرياً يؤمن بالمقاومة خياراً عملياً, ولا يرى له بديلاً, وعلى الأمة كلها وعلى أبناء فلسطين أخذ هذا الخيار بجدية كافية تتناسب وقداسة القضية الفلسطينية, ولا يجوز التردد بين المقاومة وإغراءات السياسة, وإغراق المجتمعات العربية وبالذات الفلسطينية بالروح الاستهلاكية التي تزرع في النفوس حب الدنيا وزخرفها وتقيد روح الفداء والشهادة.
وكان المقادمة قائداً عسكرياً في ظروف صعبة ومعقدة سيطر فيه الخوف والعملاء قبل قدوم السلطة, وكان كذلك بعد قدوم السلطة وسيطرة الأجهزة الأمنية الفتحاوية على غزة وتعاونها أمنياً مع الاحتلال لقمع المقاومة . في هذه الظروف المعقدة المخيفة تراجع كثيرون ممن نحترمهم ونقدرهم أيضاً وتقدم المقادمة إلى الأمام بحذر لا يعرف الخوف, وبخطوات ثابتة ترجو الآخرة وتتخفف من الدنيا والزهد بما في أيدي الناس.
لقد شارك المقادمة – فيما أحسب- في جميع مراحل تأسيس العمل العسكري ودفع ضريبة جسدية باهظة في مراحل العمل المتتالية على يد الاحتلال ثم على يد سلطة فتح, إلى أن استوى العمل العسكري المقاوم على سوقه ولقي الله ليلتقي مع تلاميذ أحبهم ومنهم صلاح شحادة القائد العام رحمه الله والمهندس يحيى عياش رجل المرحلة الفذ الذي أحب الشهادة حباً جماً.
وكان المقادمة قائداً فكرياً على مستوى الفكر الإسلامي العملي والتربوي لا في فلسطين فحسب, بل في العالمين العربي والإسلامي أيضاً, فحياته بفصولها المتعددة, ومحطاتها الرئيسة داخل السجن والمعتقلات وخارج السجن والمعتقلات تشهد أنه كان خير من هضم فكر البنا رحمه الله وفكر قادة مدرسته كالهضيبي وسيد قطب والغزالي . ولم يكتف بهضم فكرهم لذاته وروحه, بل عمل جاهداً على نقل هذا الفكر لتلاميذ مدرسته وهم بالمئات, واستطاع أن يطوع هذا الفكر لخصوصية الساحة الفلسطينية, وقد أودع فكره في كتبه وبالذات (معالم في الطريق لتحرير فلسطين).
وكان المقادمة رئيساً وأستاذاً على المستوى الدعوي والتربوي, فقد سكن رحمه الله – حلقات المساجد المختلفة في قطاع غزة سكنة عاشق محتسب, يحب التلاميذ في حلق الدرس, ويتفنن في تغذيتهم بخلاصات مفيدة من ثقافاته الواسعة في أمهات الكتب الدينية والدعوية والحركية . كانت حصة المسجد من حياته أكبر بأضعاف مضاعفة من حصة أهل بيته . لم يكن المسجد في فكره ودعوته بناء محدود الرسالة, بل كان المسجد جامعة متعددة الرسائل متنوعة التخصصات يدخل إليها كل فئات المجتمع بما فيها النساء . لقد أعاد بدروسه بعد أن كون حوله فئات متنوعة من المدرسين يشاركونه في المهمة الوظيفة النبوية للمسجد . وأحسب أن أبناء الدعوة والتلاميذ, يفتقدون مدرسة المسجد التي أسسها المقادمة وأحيا روحها بجد واجتهاد.
المقادمة رحمه الله مدرسة خالدة بإذن الله, وأحسب أن بعض الواجب الدنيوي يقتضي منا أن نذكره في يوم استشهاده لنترحم عليه وعلى إخوانه الذين فارقونا بعده فيما عُرف بشهر الشهداء. اللهم اغفر لهم وارحمهم.