قبل واحد وأربعين عاماً ونصف العام كانت ثورة الفاتح التي جاءت بمعمر القذافي رئيساً لليبيا، وقد نجح الضباط الأحرار الليبيون بقيادته من إنهاء الحكم الملكي وطرد الملك محمد إدريس النوسي وولى عهده الحسن الرضا ، كان القذافي شاباً رشيقاً نحيلاً يحمل رتبة العقيد يبلغ من العمر سبعاً وعشرين سنة، وكان السنوسي شيخاً قد أفنى عمره في الجهاد منذ أن ابتليت بلاده بالاستعمار الإيطالي، الذي أذاق الشعب كل صنوف الويل الذي اقترفه (الفاشيست) بقيادة موسولويني والذي وافق مزاجه العنصري مزاج أودلف هتلر فشكلا تحالفاً أصاب الإنسانية في مقتل، وأشعلا حرباً كونية هلك فيها ما يزيد على ستين مليوناً من البشر...
كانت الأراضي الليبية وشعبها مسرحاً لمعارك طاحنة سحقت عشرات الآلاف من الليبيين، وما توقف طحنها حتى غربت شمس ذلك التحالف العنصري البغيض من فاشيست ونازيين، ونالت ليبيا استقلالها، وتوحدت في مملكة مثلثة (بنغازي – طرابلس – فزان) ولكنها ظلت في الظل حتى كانت الثورة القذافية ، فقفز اسم ليبيا إلى الواجهة بقدر تقدم القذافي إليها، والذي بدأ بالتخلص من زملائه من الضباط الأحرار ، وفق معادلة (الثورة تأكل أبناءها) وبنفس الأسلوب الذي اقترفه ستالين الذي اشتهر عنه التحالف مع أربعة من زملائه للتخلص من السادس...
ثم مع ثلاثة للتخلص من الخامس، ثم مع اثنين للتخلص من الرابع، ثم مع واحد للتخلص من الثالث ليتخلص منه ليبقى إلى جانبه واحد، ليتخلص منه بسهولة ، وهكذا فعل القذافي الذي لم يبق إلى جانبه إلا عبد السلام جلود ليتخلص منه أخيراً لينفرد بالحكم، وما أن شب أولاده عن الطوق حتى أصبحوا أصابع يده التي أحكمت القبض على عنق ليبيا وثرواتها، وثاني ما اشتهر به القذافي جرأته على الزعماء العرب ، فلسانه من البذاءة والطول ما نالهم به ، حتى لم يسلم منهم أحد بدءاً بالملك الحسن الثاني (المغرب) وانتهاءً بالملك عبد الله بن عبد العزيز...
فكل الملوك عنده خونة ورجعيون، ولا يحفل بألقاب ولا بروتوكول ، كما اشتهر عنه مشاريعه الوحدوية الفاشلة التي لا تنتهي، حتى إذا يئس من العرب توجه إلى مالطة ثم إلى إفريقيا ، كما اشتهر بدمويته وفظاعته في القتل حتى قدرت مؤسسات حقوقية عدد من قتلهم من شعبه بخمس وأربعين ألف ضحية، وحدث ولا حرج عن نظريته العالمية الثالثة التي ضمنها كتابه الأخضر المليء بالترهات والتفاهات، ورغم ذلك فقد أنفق عليه مليارات الدولارات لترويجه عالمياً، وكل هذا كان يزيد من منسوب جنون العظمة ويفاقمه في نفس القذافي، حتى خيل إليه أنه يملك الدنيا فسمى نفسه ملك الملوك، وأما رعاياه فمن الجرذان والجراثيم، وفي أحسن الأحوال هم من القاعدة الذين ينبغي إبادتهم ، فهل لمثل هذا أن يظل حاكماً عربياً في زمن العربي الجديد والتحولات التاريخية؟!..