الرئيس اليمني محاصر بحناجر شعبه ( الشعب يريد إسقاط النظام ) وهو بدوره يحذرهم من التفسخ والانقسام إلى أربعة أقسام، فوحدة بلادهم مرهونة ببقائه، فإذا ما ذهب تفسخت ،ولست أدري ماذا كان يفعل فخامته خلال ثلث قرن، فإن كان سيادة الرئيس قد مكث هذه المدة ولم يوحد قلوب اليمنيين ولا ثقافتهم ولا مشاعرهم بحيث إذا ما مات أو قتل استعصى على القلوب أن تتفرق لما أودع فيها الرجل من ثقافة الوحدة، ومشاعر التآلف والانسجام، وبذا يكون سيادته قد شهد على نفسه أن ما زرعه في قلوب اليمنيين ما هو إلا نبات لا جذور له، وإنما هي الكراهية والاختلاف، وما كانت وحدتهم في وجود سيادته إلا وحدة هشة ولا يبقيها على ما هي من تماسك ظاهري إلا وجود السيد الرئيس في سدة الحكم، وهذا – وللأسف – كفيل بأن يدينه بالتقصير، هذا في أحسن الأحوال، والذي يشكل درسا كبيرا ينبغي أن يستفيد منه كل رئيس ، فيعمل على توحيد مشاعر شعبه تجاه وطنهم ، بنشر ثقافة الانتماء لهذا الوطن، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إذا شعر المواطن بأنه حر في وطنه، وكرامته – فيه – مصونة ، وقد نال كل حقوقه بلا حيف أو ظلم أو تعسف، ثم يفاجئنا الرئيس بأنه اكتشف أن البيت الأبيض هو الذي يحرك الشعوب ضد حكامها، وله غرفة عمليات في تل أبيب، وهي التي تعطي التعليمات لمثيري القلاقل في إشارة أقرب إلى أن تكون صريحة إلى قناة الجزيرة وإن لم يصرح، وأرجو أن ينكر ما فهمت ويبادر إلى نفيه، وإن كان فهمي صحيحا فيؤسفني أن أقول: إن السيد الرئيس قد أغمض عينيه عن الأسباب الحقيقية لثورات الشعوب ، والتي يأتي في مقدمتها الظلم الذي تعانيه من حكامها رغم صبرها عليهم والذي امتد ثلاثاً وعشرين سنة (تونس)، وثلاثين سنة (مصر)، وثلاثا وثلاثين سنة (اليمن)، واثنتين وأربعين سنة (ليبيا)، نهب الحكام فيها مقدرات شعوبهم، وأذلوهم وضربوا عليهم التخلف والجوع والفقر والجهل، بعد أن حكموهم بالحديد والنار، وسلطوا عليهم أجهزة أمن أبدعت في إهانتهم وسحق كرامتهم، وكل هذا قبل أن تولد الجزيرة أو أن تصوب عدساتها إلى شوارع العرب، نعم لقد نشرت الوعي من خلال شبكتها وبرامجها الحوارية والوثائقية؛ من شاهد على العصر، وبلا حدود، والاتجاه المعاكس، ومباشر مع، والشريعة والحياة، بعد أن توفر لها هامش من الحرية، لتطرح الرأي والرأي الآخر، بلا تحفظ ولا انحياز، بل بحرفية عالية وموضوعية وتجرد، كشفت سوءات الأنظمة أمام شعوبها، وبهذا فإن الرئيس اليمني قد جانبه الصواب مرة أخرى، فقد كان الأحرى به أن يجري مراجعة صادقة لفترة حكمه التي امتدت لثلث قرن، قد أصابت الشعب اليمني بما يدفعه إلى أن يكفر بنظامه وبأدواته القمعية، وبنهجه الديكتاتوري الطامح للتوريث، فضلا عن العائلة الفاسدة التي مكنها الرئيس من رقاب العباد وثرواتهم ومستقبل أجيالهم، ولم يستثمر هذه المدة الطويلة جدا، في إيجاد تنمية حقيقية ونهضة ترفع بلده إلى أن تملك مقومات الدولة، ولكن – للأسف – كانت هذه السنوات عجافا عقيمة، لم تكد اليمن أن تلحق – خلالها – بركب الدول النامية ! ونسي الرئيس أن نصف هذه المدة كانت كفيلة بإخراج ألمانيا من حرب كونية دمرتها، وقتلت خيرة أبنائها، وجعلت من اليابان في مصاف الدول الأغنى في العالم، وأصبحت صناعاتها فخر ما ابتكر العقل الإنساني، وهي التي خرجت من حرب نووية !! وكان الأحرى بالرئيس ألا يفكر بهذه العقلية التبريرية، فينسب تخلفه إلى مؤامرة؛ ناسيا أنه بهذا التبرير يدمغ شعبه بالغفلة والغباوة، ويدمغ مفكريه وقادة الرأي فيه بالعمالة والتبعية، ويجعل من (إسرائيل) قوة نافذة غير قابلة للهزيمة، وهذا من أقبح ما صرح به رئيس...