من يظن من النظام العربي أنه في مأمن عن ثورة الجماهير فهو واهم، خاصة تلك النظم التي بنت مكانتها على قهر المواطن والتسلط عليه ونهب أمواله، ظانين أن مقدرات البلدان هي ملك خاص ورثوها عن آبائهم وأجدادهم وأخذوا ينفقونها بالملايين على شراء النوادي الأوروبية أو امتلاك المباني أو المتاجر ، أو بناء الأبراج الشاهقة أو قضاء أوقاتهم وأعمارهم يلهثون خلف النساء وصالات القمار والاستجمام في بقاع الأرض.
الجماهير العربية تتمتع بالصبر وتمنح الفرص تلو الفرص على أمل أن يحدث مرور الزمن تغييرا في التفكير والإرادة ويرقب المجريات على الأرض، ولكن صبره لا يكون بلا نهاية، فهو يهب كالبركان الثائر لا تعيقه عوائق ولا تمنعه قوة ويكون على استعداد للتضحية بكل شيء لأنه بعد النفس كل الأمور تهون.
هذا ليس كلاما عاطفيا بل هو واقع نحياه على الأرض نلمسه بأدبنا بدأنا به بأنفسنا ونحيى لحظاته في العديد من البلدان كانت تونس وبعدها مصر واليوم ليبيا وغدا وبعد غد قد نشهد مزيداً من الثورات الشعبية ما لم يدرك من تبقى من هذه النظم ويعيد حساباته مرة أخرى ويرد ثروة الشعوب إليها لأن النهاية مؤلمة لمن لا يتعظ ويحاول بغبائه وسوء إدارته أن يرتكب مزيدا من الجرائم بحق الشعب ويرتكب الموبقات التي لا تجعل له مجالا للعودة ويكون الشعب قد أصدر قراره بعدم التصالح مع هؤلاء الظلمة والفاسدين وقد وضع نصب عينيه ما يمكن أن يقدمه من أجل حريته وكرامته.
القذافي مثال، هذا الرجل الذي تحمل الشعب الليبي أمراضه النفسية وحماقاته اثنين وأربعين عاماً وعندما طالبه بأن يضع لنفسه نهاية مشرفة يستجيب لإرادة التغيير علا في الأرض واستكبر وأخذته العزة بالإثم حتى بلغ فيه جنون العظمة مبلغا فاق كل حد وظن أنه واهب النعم ومانح الحياة والموت، ودونه الجهل والفقر والتخلف، وقال كما قال فرعون لقومه " وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ۖأَفَلَا تُبْصِرُونَ الزخرف" (51).
واليوم ماذا ينتظر القذافي بعد هذه الدماء التي أريقت وهذا العدد الكبير من الشهداء والجرحى وهذا الدمار الكبير من الشعب الليبي؟ هل يعتقد أنه سيتركه هكذا يفر كما فر الآخرون دون محاسبة؟ أشك في هذه النهاية وأتوقع أن أشاهد عملية سحب للقذافي في شوارع طرابلس، حتى يبقى لمن سيأتي بعده أية وشاهداً على الطواغيت والجبابرة.
والنتيجة كذلك، أتمنى على من تبقى من زعماء العرب أن يفهموا حقيقة الموقف وأن يعرفوا ماذا تريد شعوبهم ليس معرفة زين العابدين بن علي التي جاءت في الرمق الأخير، بل قبل أن تخرج شعوبهم وتطالبهم بتغيير النظام، أن يعملوا على إعادة تشكيل أنظمتهم، الملوك منهم يحولون بلدانهم إلى نظام دستوري ويبقوا ملوك شرف يأكلون ويشربون وينامون دون أن يكون لهم سلطة سياسية أو أمنية أو اقتصادية كملكة بريطانيا مثلا، والرؤساء الذين ظنوا أن الحكم أبدي أو وراثي وان يكفوا عن هذه السياسة ويبدؤوا بالانسحاب بكرامة ودون ضجيج وأن يسلموا السلطة بسلاسة وأن لا يغتروا بقوة أو مال أو دعم خارجي لأن إرادة الشعوب أقوى من أي قوة مهما بلغت، ولا يستطيع أحد أن يقف في وجهها.