لم أكن أتخيل أن يضرب القذافي شعبه الأعزل بالطائرات الحربية؛ لمجرد أنه يعبر عن رأيه بأرقى أسلوب عرفته الديمقراطية الحديثة، ولم يقدم على ذلك حاكم قط، نعم... يتوقف التاريخ طويلاً عند إجرام البيض الغزاة ضد الهنود الحمر، ولكن قبل حوالي مائتين وخمسين سنة، و لم يكن العالم قد عرف الطائرات الحربية، و نعم ، يتوقف عند ضرب أمريكا لناجازاكي وهيروشيما بالقنابل الذرية، ولكن في سياق الحرب بين دولتين؛ أمريكا واليابان، وكانت اليابان قد فتكت بالأسطول الأمريكي في بيرل هاربر، فكان الرد الإجرامي البشع، الذي يجلد الضمير الأمريكي في سويدائه، ونعم لقد أبادت أمريكا قرى فيتنامية ومسحتها عن وجه البسيطة بمن فيها من بشر وكائنات، ولكن - أيضا - في سياق الحرب بين احتلال مجرم ومقاومة باسلة قادها الجنرال (جياب) وأسطورة الفداء والقيادة (هو شي منه)، واللذين قهرا أمريكا ومرغا أنفها في أوحال هانوي وسايجون ، ونعم قد دمر النازيون باريس ، وفتك البولشفيك بالشعوب الإسلامية لينشئوا الاتحاد السوفييتي، ولا يزال الروس يفعلون في شعب الشيشان الأفاعيل... وفي عالمنا العربي رأينا مذابح الشعب الفلسطيني في أيلول سنة 70 على يد الملك الأردني ، ولكن في سياق حرب بين الجيش العربي والمقاومة الفلسطينية ، ثم كانت مذابح 82 في حماة خلال الحرب التي نشبت بين النظام والإخوان المسلمين !!!ويتوقف عند مذابح صبرا وشاتيلا وتل الزعتر..
ولكن أن يفعل ذلك (القائد) في الشعب الذي حكمه لاثنتين وأربعين سنة ، فرض عليه خلالها الخوف والجهل والتخلف ، ومزقه وهدر مقدراته وأسلم ثرواته لقوى البغي والاستكبار ، أن يفعل ذلك ليبقى في الحكم فهذا يفوق خيال مخرجي أفلام الرعب، فلا يتصور كائن من كان أن يقدم على هذه الجريمة كائن من كان ؛ جثث متفحمة وأوصال مقطعة وأجساد ممزقة ، نساء ، شيوخ ، أطفال ، بيوت ، منشآت ، جرحى بلا دواء ولا دماء ، فلقد أنفذ القذافي الابن وعيده ، فحارب شعبه بالرصاص والصواريخ والطائرات ، وبزنوج جاء بهم من أدغال أفريقيا ، فأفتى القرضاوي بجواز قتل أبيه المجرم ، وأقول : وهو أيضاً ، لما اقترف من فظائع وأزهق من أرواح .... حتى يظل في القيادة ، هذا في الوقت الذي يقف العالم المنافق متفرجاً ، إلا من التماسات خجولة من (بان كي مون) ، وعمرو موسى لا تمنع القذافي عن القتل بل تغريه بالمزيد، ولا تشهر أوروبا ( الديمقراطية جداً ) في وجهه البطاقة الحمراء التي تدينه بارتكاب جرائم حرب، أو تطهير عرقي كتلك التي أشهرتها في وجه البشير !! لقد أدان القذافي شعبه بالإجرام وبتعاطي المخدرات ، فذبحهم ولم يذبح ابنه (سيف العروبة) الذي يتعالج منها في دسلدورف في ألمانيا بعد أن سكنت في كل خلية من خلايا جسده النجس، أدان القذافي شعبه في اغتصاب حقه في أن يظل ملك ملوك أفريقيا ، عميد الزعماء العرب ،وصاحب النظرية العالمية الثالثة ، ومبدع الكتاب الأخضر ، وهو في كل هذا لا يساوي بعرة فأر ...
وهنا التحدي الأكبر الذي يحتم على الشعب الليبي أن ينتصر، فيدع القذافي إلى برك دماء الأبرياء التي أراقها، ويسقطه في قعر الهزيمة، فيدرك هو ومن على شاكلته ومن التف حوله من الأوباش أن غضبة الشعوب أقوى من سيوف الطغاة، وصرخات الثكالى حريق تشب في كيانات الظالمين ... وساعتها فقط سينعم الشعب الليبي بالحرية، وسينعم الشهداء في نعيم مقيم، وأما القذافي فسيناله – لا محالة – سوط عذاب.