لكأن البلد ملك له ولأبيه. بطريقة متعالية وتنطوي على الكثير من السخف والجهل، بل وتنطوي على امتهان لعقل وكرامة كل ليبي، بل كل عربي، تحدث نجل العقيد (سيف الإسلام القذافي) إلى الشعب الليبي.
كان بوسعه أن يقرأ كلاماً مكتوباً يستحق أن يوجّه إلى شعب عمر المختار، لكن آثر أن يكشف عن الوجه الحقيقي لنظام حكم الناس بالحديد والنار، وبالجهل والتجهيل، فتحدث شفاهة على طريقة أبيه بطريقة تخجل أي ليبي يعرف القراءة والكتابة أو قرأ كتاباً في حياته (عدا الكتاب الأخضر بالطبع).
لم يقل سيف الإسلام القذافي بأي حق يريد أن يرث حكم الليبيين من أبيه، وبأية شرعية. ولم يسأل نفسه ما هي دلالة حديثه عن الجماهيرية الثانية سوى أن جماهيرية أبيه كانت مرتعاً للجهل والتخلف وتضييع الثروة والمغامرات البائسة.
لماذا يكون على الليبيين أن يجربوه لعقود تالية بعدما جربوا والده أكثر من أربعة عقود، ولماذا يطمئنون إلى وعوده العظيمة، وقد حصلوا على الكثير منها من قبل السيد الوالد الذي قال عنه إنه زعيم شعب ولا يشبه زين العابدين بن علي ولا حسني مبارك؟.
قال إنه لن يفرط بأي شبر من ليبيا. كيف يفرط بها وهي تفيض عليه سمناً وعسلاً، بينما تفيض على الليبيين بؤساً وشقاء، والنتيجة أن لا مناص من تجريبه بضعة عقود أخرى. هل يمت هذا الحديث إلى العقل بصلة؟.
هنا بلد يملك ثروات هائلة، بل أكثر من هائلة تسابق ويتسابق عليها الأمريكان والأوروبيون، حتى أن بلداً بحجم سويسرا لم يجد بداً من أن يذلّ نفسه أمام سيادة العقيد إثر محاكمة تعرض له أحد أولاده، مع أنها محاكمة يستحقها بالفعل. وما ذاك إلا لأن سويسرا خافت على مصالحها ومصالح شعبها، وقبلت قيادتها على نفسها قدراً من الإهانة من أجل المحافظة على مصالح البلاد.
بلد فيه كل هذه الثروات ليس فيه مستشفى بمستوىً معقول، ما يضطر الليبيين إلى السفر للخارج من أجل العلاج، مع أن الطبيعي أن يكون لديهم أرقى المستشفيات في العالم أجمع.
في خطابه اتهم نجل العقيد المتظاهرين بأنهم عصابات وبلطجية ومتعاطو مخدرات مع جماعات إسلامية متطرفة، بينما تصح تهم البلطجة على اللجان الثورية التي أسسها العقيد بديلاً عن الديمقراطية، والتي هي لا غيرها من قتل الناس في الشوارع، وبالطبع دفاعاً عن مصالحها، فضلاً عن المرتزقة الذين جيء بهم أيضاً للدفاع عن النظام في مواجهة غضب شعبه.
هذا نجل الزعيم يهدد بحرق الأخضر واليابس إذا فكر البعض في رحيل النظام، ما يعكس حجم الانتماء الذي يشعر به حيال البلد الذي ورثه دون تعب من أبيه القائد "زعيم الشعب" كما وصفه. ألم يبشر بالخراب وإمارات إسلامية وحرب أهلية؟.
في خطابه قدم سيلاً من الوعود للناس، لكأنه يدفع من جيبه الخاص، ولم يقل لماذا لم يكن الليبيون يحصلون عليها في السابق، بينما دفع هو تحديداً كعراب لصفقة لوكربي وما تلاها من صفقات، دفع مئات المليارات من أجل رضى الغرب.
أيا يكن الأمر، فقد انكشف السحر، وها هي ثورة تونس وبعدها ثورة مصر تؤكد لليبيين أنهم ليسو أقل شأناً، وأن بوسعهم أن ينقلبوا على هذا النظام المهترئ، وأن النصر سيكون حليفهم. صحيح أنهم قد يدفعون من التضحيات أكثر مما دفع التوانسة والمصريون، لكن شعب عمر المختار لن يفت في عضده القمع وهو ماض في طريق الانتصار بإذن الله.