مولد أمته في ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم

نشر 19 فبراير 2011 | 08:46

1- يوم لا كالأيام:

ما أشبه الأيام بعلب المجوهرات الفارغة في محل الصائغ. وتكتسب العلبة قيمتها بقيمة ما يوضع فيها من مجوهرات. ولا ريب أن يوماً شهد مولد خير خير البرية، ليس يوماً كسائر الأيام. إنه يوم من أعظم أيام الله. فينبغي تذكره والتذكير به..

 

إن مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليس مولد فرد واحد، إنه مولد أمة بل مولد الإنسانية برمتها. إنه مولد الرحمة بين الناس والهدى والخير والنور والجمال.

 

ولعلنا لم نشهد في حياتنا مولداً أو ذكرى مولد شبيهاً بهذا المولد أو ذكرى هذا المولد. فهو يأتي متزامناً مع انبعاث أمته ونهضتها من رقدة العدم. كأنها عادت إلى رحم التهميش والنسيان والغياب ثم ولدت منه إلى عالم النور والحضور والحياة والبهاء والإحياء والعزم، وعادت إلى الأستاذية من جديد، فصار العالم يتعلم منها معاني الانتفاضة والعزة والكرامة وتقويم المعوج وتغيير ما بالأنفس وأن الأمة هي السلطة الحقيقية ومعاني كثيرة أخرى.

 

لقد عادت الأمة ملء سمع العالم وبصره من جديد، فتزامن مولد مع مولد والأمة اجترحت من العبقرية والإبداع مقتديه بمعلمها الشيء الكثير والفذ الكبير في درس الثورة والتغيير وإزاحة المنكر وكسر الأغلال وفك الأقفال وإزاحة الأوحال..

 

لقد عادت كرامتها وشرفها وعزها وعزتها.. هذه الأمة التي جعل الله عزتها من عزة نبيها، وكرامتها من كرامة نبيها، وعظمتها من عظمة نبيها. حرام أن تذل هذه الأمة أو تهضم أو تحقر أو تسفه. حرام أن يستأجر البلطجية ليسوموها الخسف والهوان وسوء الحال.. لأنها إلى محمد تنتمي.

 

وتأمل الموافقات العجيبة في هذا المولد النبوي الكريم. وأول الموافقات اسم محمد، فلم تعرف الجزيرة ولا العرب هذا الاسم. فمن ألهم جده أن ينطق بهذه الحروف المنيرة محمد ليطابق ما بشر به عيسى: "ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد" ومن اختار اسم أبيه عبد الله. وابنه أعبد الناس لله.

 

وأمه آمنة وابنها هو الأمين. ومرضعته حليمة والحلم سيد أخلاقه صلى الله عليه وسلم.. وحاضنته بركة أم أيمن واليمن والبركة حيث حل.

 

ومن اختار شهر مولده: شهر ربيع. والليالي 12 يعني أن القمر قريب البدر .موافقات.

 

2-  بعض حديث القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم:

حديث القرآن لا يغيب في صفحة، وإن غاب فإنه لا يغيب في التالية. ويكفي أن أقول إن كلمة "ربك" التي يخاطب بها النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكرت في القرآن (242) مرة في (62) سورة. وورد النبي (43) مرة جلها في شأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

 

وورد (أرسلناك) 13 مرة، ومنها "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" وكلها في شأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وورد لفظ "الرسول" تشمله وتشمل غيره 116 مرة، قسم كبير منها يخصه صلى الله عليه وسلم.

 

ولا نتتبع مواطن وطرائق خطابه صلى الله عليه وسلم، لكني سأقف سريعاً بعض الوقفات.

 

ففي آل عمران، ورد قوله تعالى: "فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين". وبعدها بآية، وفي السياق ذاته قال: "وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة".

 

هل لاحظت أنه ركز على قضايا كأنها كانت تصور وتشخص واقع المسلمين اليوم. فالقيادة بالرحمة لا بالعنف ولا الفظاظة والغلظة هو نمط القيادة النبوية.

 

والأمر الآخر هو الحرص على المال العام.. وهذا مهم وعجيب في آن. ومعلوم بالقطع أن النبي لن يغل من المال العام، ولكنه توجيه وإرشاد للأمة ولقادتها إلى يوم القيامة، ولأهمية الموضوع وجه الخطاب فيه إلى رسول الله، وهو من يستحيل عليه أن يأخذ من المال العام. ومن قرأ هذه الأمور وجدها صميم ما تعاني منه الأمة اليوم:

 

1- القيادة بالعنف والإخضاع والإذلال والخشونة. (في مقال لأستاذ جامعي أمريكي نشر في السبيل يوم الأربعاء 16/ 2 أن الأمن المصري كان يوظف البلطجية لمهام كثيرة وبمئات الألوف من بين تلك المهام القذرة اغتصاب السجناء لإذلالهم) وأول سمات القيادة النبوية الرحمة واللين "فبما رحمة من الله لنت لهم". "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم"

 

2- الشورى وحرمان الأمة منها وحتى من الديموقراطية التي هي مقزمة مشوهة ومع هذا تحرم الأمة من هذا المظهر، وقيادة المؤيد بالوحي تقوم على الشورى.

 

3- الولوغ في المال العام وهدره واقتسامه مع المحاسيب. والقيادة النبوية الشريفة يموت الرسول ولا دينار في بيته. كل هذه هي صميم مشكلة الأمة اليوم.

 

أما التغيير الذي هو صميم حل مشكلة الأمة اليوم، فإن الدفعة الأولى النازلة أرست معالم منهج التغيير وهي خطاب للنبي الأميّ صلى الله عليه وسلم، وإذا تأملت الآيات وجدتها كلها قراءة وتربية وتعليماً: "اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم".

 

إنه تغيير الإنسان من الداخل بالقراءة والفكر والاطلاع والإقناع، لا تغييره من الخارج بالإكراه والقسر والتعذيب والإخضاع.

 

لم لا نتقدم للبشرية ولأنفسنا من قبل ذلك لتوضيح منهج هذا الكتاب ومحتواه التغييري الحضاري الراقي والعظيم؟

 

أما الآية التي تلت هذه الدفعة من الآيات، فهي مربط الفرس فيما ينبغي أن يغير إنه "الطغيان" في نفس الإنسان. لقد جاء عقب هذه الآيات مباشرة: "كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى".