كثيرة هي المفاجآت التي برزت في الوطن العربي بعد ثورتي تونس ومصر، فقد تبين أن الحكام لا يتعاملون مع شعوبهم على أنهم ينتمون إلى الآدمية ، وإن رأوا فيهم آدميين فإنما هم عبيد يملكون رقابهم، فلا كرامة لهم، لا حقوق ، لا حريات ، لا اختيار ، هم من الرعاع يسوقونهم كيف يشاؤون، وأينما يشاؤون وهم صامتون، يجب أن تظل ألسنتهم ملاعق خشبية، تقلب اللقيمات الجافة فحسب ، ولكن أن تتكلم .... فلا ، وهل ينطق الخشب؟!!
لا يبالي الحكام بالمحكومين إلا بما يصدر عنهم من هتاف ( بالروح بالدم نفديك يا... ) أو الدعاء بأن يطيل الله عمر الحاكم ، ينظرون إليهم من عل، حتى وهم يتراصون كصناديق خشبية تصدر منها أصوات أشبه بالتصفيق لموكب الحاكم .. أموال الشعوب منهوبة، ومقدراتها منهوبة، ومزارعهم ومصانعهم وجهودهم منهوبة ، لصالح الحاكم .. وقفت كالأبله عندما سمعت أن ليلى قد حملت معها ألفا وخمسمائة كيلو جرام من الذهب !! فسألت بسذاجة : ماذا ستفعل بها!!
وصدمتني (سالي توما ) إحدى القيادات الشابة لثورة مصر وهي تقول بفرحة : وجدت كرامتي .... استرددتها ... أحيي أصدقائي بكلمتين ( صباح الكرامة أو مساء الكرامة ) فقفز سؤال ساذج آخر على لساني : وهل كانت كرامتك ضائعة ؟ ثم أين وجدتها ؟ ومن هو خاطفها؟ جاء الجواب سريعا : كان الحاكم قد سرقها ، وضاعت في تلافيف صفوف رجال أمنه المنبثين في السوق ، في الجامعة ، في الكنيسة ، في المسجد ، كان يزرع الكراهية في قلوبنا تجاه بعضنا... كان يخيفنا منا..
فاكتشفنا – بسقوطه – أننا نحب بعضنا ، ويأمن بعضنا من بعضنا ، وأما رجال أمنه فكانوا مصدر الكراهية والرعب ، اكتشفنا أننا – بدونهم – صار لدينا أمن .. استقر في قلوبنا وفي لحظات حياتنا .. لم نعد نخاف من الأزقة ولا من ( بكرة ).. كاد يقنعنا أننا ( فوضى) بدونه، وإذا بنا في أعلى درجات النظام .. كنا نظن أننا مستهترون، وإذا بنا مسكونون بالمسئولية .. لسنا عابثين ، وذهبت من صدورنا الرغبة في العدوان علينا أو الانتقام منا.. اكتشفنا حقيقتنا!!
لم نكن يوما طائفيين ، عدنا إلى ذاتنا فإذا بنا نكتشف أن الرجل المسئول عن أرواحنا وأموالنا ودمائنا يذبح كل ذلك، فيفجر كنيسة القديسين، ثم يفاجئنا بإدانتنا .. أعترف أن بدني يقشعر كلما سمعت نوارة نجم وهي تقول : ( مفيش خوف تاني.... ) بينما هي تبكي!!
كما أعترف أنني على يقين أن حكامنا – جميعهم – مجرمون.. واطمأننت أن شعوبنا لا تزال – رغم ذلك – على قيد الحياة ، وستنتصر، وستسترد كرامتها، ومقدراتها، وستشهد السنوات العشر القادمة صعودا للشعوب ، وانحطاطا لقوى البغي والاستكبار... ليس خيالا ولا أمنيات، سيكون للشعوب برلمانات غير مزورة، وحكومات غير مزورة، وقضاء غير مزور، ورجل أمن غير مزور ، بعد أن ذاقت الشعوب طعم الحرية الذي حرمته منها الأنظمة، هي حقائق قد صدحت بها أرواح وحناجر وعزائم !! وستشرق شمس القدس...