نحن في بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين . البداية جيدة على مستوى القراءة الاستراتيجية العميقة . البداية تقول إن التغيير إلى الأفضل عربياً وإسلامياً يسير بقوة . قوة التغيير صنعتها أسباب كثيرة يمكن إجمالها بالقرن العشرين نفسه . القرن المنصرم كان قرن الظلم والديكتاتورية والفساد والهزائم, والتبعية للأجنبي المستعمر.
التغيير ضرب تونس بقوة, وأحدث تسونامي شعبياً في مصر, ومصر ركيزة العالم العربي, والمركز الذي تدور حوله الأقطار الأخرى . التغيير في المركز لابد أن تخرج عنه موجات ارتدادية ذات مغزى . العالم كله يراقب الموجات الارتدادية . الإعلام الغربي حدد بلاداً بعينها . القلوب في الحناجر خشية القادم .
ليس مهماً في القراءة العميقة تحديد المكان الجغرافي, لأن الأهم هو تحديد معالم الروح الجديدة والتعرف على طبيعتها لأنها هي التي تنتقل هنا وهناك بحسب مستوى النضج الذي يسكن أبناءها وبحسب مبررات التغيير الكامنة في التاريخ وبالذات التي احتواها القرن العشرون الذي يُعرف عربياً بقرن الهزائم, وقمع الشعوب .
أوباما أدرك ماهية تسونامي التغيير فقال بعد تنحي مبارك التاريخ يتشكل في منطقة الشرق الأوسط من جديد. مَنْ الذي يشكل التاريخ في القرن الحادي والعشرين؟ سؤال في غاية الأهمية لأن عند التشكل لابد من حدوث (المغالبة والمدافعة) . كثيرون هم الذين يودون الاشتراك في عملية المغالبة وتشكيل التاريخ لحفظ مصالحهم, ولكن الطرف الأقوى دائماً هو الشعب حين يستعيد روحه, ويعرف حقه, ويموت من أجلـه .
أميركا ستدخل بثقلها في عملية المغالبة والتشكيل . و(إسرائيل) ستكافح من أجل دور مؤثر أيضاً, ولكن مقدمات القرن الحالي تقول إن أميركا تسير باتجاه فقدان دورها كإمبراطورية الدولة الأكبر في العالم . والتاريخ القريب يرشحها لحالة ضعف وانكفاء على مشاكل داخلية, وسقوط ناعم تفقد معه الهيمنة . السقوط لن يكون مدوياً كالاتحاد السوفيتي, وإنما سقوط ناعم لأسباب داخلية بالدرجة الأولى.
و(إسرائيل) أيضاً تسير إلى الخلف رغم القوة العسكرية التي توشك أن تخنق الدولة والشعب من ثقل ما يمكن تسميته (بالشدّ العسكري) الدائم, الذي لا يسمح بحياة طبيعية معتادة في القرن الحادي والعشرين . وسيسهم التغيير الذي ضرب مصر وتونس وفلسطين من قبلها في محاصرة قدرة (إسرائيل) على المغالبة وتحقيق النصر.
التاريخ يتشكل بآليات ناعمة وقوة دفع شعبي في عصر اتصالات وفضائيات تخترق حاجز الصوت والسلطة والقمع معاً, وقد يكون التاريخ والتغيير ناعماً في العلاقة مع أميركا, ولكني أتوقع أن يكون ساخناً وثورياً مع الاحتلال لفلسطين . في إسرائيل يجهزون أنفسهم لمواجهة التاريخ الذي يتشكل بقوة الشعوب في البلاد العربية.