إن نجاح الثورة المصرية كان أسطورة ، فنظام قد دام لثلاثين سنة اعتمد كل أساليب القهر ، وأحاط نفسه بسياج أمني يقوم عليه مليونا عنصر من (مباحث أمن دولة) المرعب، إلى بوليس سري، إلى أمن مركزي، إلى شرطة وجيش، إلى آلة هائلة من الإعلام من إذاعة ومحطات تلفزيونية، إلى صحافة تسبح بحمد الحاكم وتمجده ، هذا غير جيش من المنتفعين والمنافقين ممن أثروا ثراء فاحشاً...
بلغت أموالهم بالمليارات عدا الأملاك، والمصانع والقصور، أو المليشيات الخاصة التي فقدت أدنى مقومات الإنسانية ، فأصابعها – دائماً – على الزناد القاتل لأي مطالِب لمساعدة إن ألحَّ على ( الباشا ) بالطلب ، كل هذا شكَّل حِلفاً، بل مَلزَمة تُطبق على عنق الشعب المصري لهذه السنوات الطوال، وكنت أردد سابقا أن الاستبداد يحني هامات الرجال ويسلب منهم رجولتهم؛ فدب في قلبي اليأس أن يتغير حال مصر في السنوات الخمسين القادمة، وقد عزز هذه القناعة –عندي- ما لقوى الاستكبار والإفساد من نفوذ في مصر كأمريكا و(إسرائيل)...
إضافة إلى التركيبة النفسية لمبارك ونظامه المعجونة بنرجسية تغطي عيونهم بعصابة سوداء عند النظر إلى حال المصري الفقير المظلوم، وما سكن في صدورهم من كراهية ورفض مطلق لكل ما يتعلق (بالإخوان المسلمين) سواء على مستوى الفكرة أو المؤسسة أو الأسلوب أو الأفراد ، ولذا لم يُطِق –أبدا- أن يراهم في البرلمان أو الوظيفة .. ولا حتى في بيوتهم ، فكان يفرج عن أحدهم من سجن ليزج به في سجن، فجاءت انتخاباته تزويراً فاضحاً لا يقترفها غبي ، وأثقل كاهل مصر بمديونية فظيعة وأسلم الوزارات لوزراء أداروها وفق مشيئة مبارك وأهوائه، وأهواء من يَزِنُّ على رأسه ، فذهب بمصر إلى ظلم وظلام!!
زرت مصر على شوق ، فرأيتها وقد أطبق على أنفاسها النظام .. حدثني سائق قبطي بأنين إلى أن أدخلني فندقاً ... فتوجستُ من كل عين في رأس رجل يقرأ جريدة، ومن كل (جرسون) ومن كل موظف في (الريسبشن) ، كنت في شوق عارم أن أرى المرشد في مكتبه ، وفعلاً ذهبت فرأيت ما بين كل رجل ورجل رجلاً يقرأ جريدة ينظر إلى المارة من خلال مساماتها، وأجابني المرافق: فعلاً هم مخبرون!! سألت نفسي سؤالاً ساذجاً : لماذا؟ سمعه المرافق ؛ فابتسم ، فخجلت من سذاجتي...
قال لي صديق قُبيل الثورة في معرض الحديث عن التوريث: لن يسمح الشعب المصري ... هذا الشعب البسيط لن يسمح لجمال أن يحكمه ، تمنيت ساعتها أن يتأكد ذلك ، لم تمض أيام حتى سقط النظام ... النظام الذي بناه مبارك على مدى ثلاثين سنة تلاشى في أقل من ثمانية عشر يوماً !!!! بعد محاولات فاشلة في استرضاء هذا الشعب .. انشلّت القبضة الحديدية..
وتبددت الرهبة التي كانت تفوح من أجهزة أمن مبارك ، وتمزَّق السياج من حوله .. لم يرهب هذا الشعب ما رماهم مبارك به من بلطجية ورصاص حي وسيوف وعصي فولاذية ، خرجوا طوفاناً هائلاً مرددين: لا للظلم لا للطغيان لا للاستبداد ... فأخذت أدندن: مع عبد الوهاب (دي حكمة الله دي آية لكل ظالم نهاية).... فهل من مُعتبِر؟