ألم يكف لمن تبقى من زعماء العرب ممن يتسلطون على رقاب شعوبهم منذ عشرات السنين ما حدث مع زين العابدين بن علي رئيس تونس، ومحمد حسني مبارك في مصر من مهانة وطرد بهذه الطريقة التي لا يقبل عاقل أن تكون عليها نهايته.
الآن هناك مطالبات ومظاهرات في العديد من العواصم العربية وعدوى التظاهرات تسري في الشعوب العربية سريان النار في الهشيم وهناك نيران مشتعلة تحت الرماد في بلدان عربية أخرى، وما يحرك كل هؤلاء هو الفساد والظلم والدكتاتورية وتكميم الأفواه وعدد كما شئت، وبات شعار هذه الشعوب على مختلف مشاربها ( نريد إسقاط النظام )، هذا مطلب نسمعه هذه الأيام على العلن ونسمعه من خلال الهمس والوشوشة بين الناس الذين لم يسقط لديهم جدار الخوف الناتج عن إرهاب أنظمتهم.
ثورات الشعوب العربية ليست بسبب أن هناك فقرا أو مجاعة أو غيرها من الأمور، ولا يمكن أن يكون الإصلاح الذي يطلبه الشعب مرتبط بزيادة الرواتب أو منح آلاف الدولارات، المطلب أكبر من ذلك، فقد تكون هذه النظم قادرة على دفع الأموال؛ ولكن ليس هذا مطلب الجمهور، مطلب الجمهور هو الحرية هو المساواة هو وقف سياسة تكميم الأفواه ومنع الحريات، الشعوب تريد تغيير النظم التي تتربع على عروشها منذ أربعين أو ثلاثين عاما ، وتلك النظم الموروثة.
هذه مطالب الشعوب فهل تقدر عليها قيادات النظم القائمة؟، من ناحية عملية هي قادرة؛ ولكنها من ناحية نفسية ترفض ذلك، وتصر على أن تبقى رغم الرفض الشعبي لها ورغم المظاهرات التي تنطلق في شوارع مدنها ورغم مناشدات كل العقلاء والخبراء، ورغم ذلك يناورون ويراوغون ويرتكبون مزيداً من الحماقات والاعتداءات والإرهاب على أمل أن يقهروا شعوبهم، ربما تفلح معهم سياسة القهر وتسكتهم، ويتوقفون عن مطالبهم ويرددون قول الشاعر العربي الطبيب إبراهيم ناجي في القصيدة التي انشدتها سيدة الغناء العربي السيدة أم كلثوم:
أعطني حريتي أطلق يدي ***** إنني أعطيت ما استبقيت شيئاً
آه من قيدك أدمى معصمي***** لم َ أُبقيه وما أبقى علي
هذه الكلمات التي أوردها إبراهيم ناجي ورددتها أم كلثوم ولازالت الشعوب العربي ترددها ليل نهار يبدو أنها غابت عن الزعماء العرب ، ونحن ندعوهم مرة أخرى إلى الاستماع لما أنشدته أم كلثوم وعلى الشعوب أن توفر شريط كاسيت لهم للاستماع إلى أم كلثوم علهم يدركون مطالب شعوبهم ويعملون على تحقيقها، فلا سبيل أمامهم إلا الاستجابة للمطالب الشعبية وأن يعلنوا على الملأ بخطوات جريئة أمام شعوبهم ويقولوا لهم سمعا وطاعة لا مكان لنا في الحكم طالما أنكم تريدون ذلك، ولن نبقى على سدة الحكم وسنكون إلى جانبكم لتحقيق رغباتكم.
يا أيها الزعماء العرب يكفي هذه السنوات الطوال من القهر والنهب والتسلط، اغتنموها فرصة لن تعوض، ابقوا شيئاً للذكرى يمحُ تلك المآسي التي علقت في النفوس وفي القلوب وتركت آثارا على الجلود وأبكت شعوبكم سنوات وسنوات.
لم يعد يجدي أي ترقيع أو ترفيع، فلا مجال إلا التغيير، ولا مجال من المناورة، فلا أموال ترضي ولا كلمات ناعمة تقنع، الشعوب قالت كلمتها ودفعت ثمن هذه الكلمة ولن تتراجع إلا بالحرية ورفع الظلم.