مشايخ الفراعنة الصغار!

نشر 14 فبراير 2011 | 08:28

قبل حوالي ست سنوات جمعتني جلسة عشاء وبالتحديد مطعم (الدانة) سابقا مع نخبة من زملاء الاعلام والصحافة المصريين على شرف الضيف الزائر الاستاذ عبد الله كمال رئيس تحرير مجلة روز اليوسف المصرية والمعروفة الاتجاه والمشهورة بطريقة تناول الاشخاص والاحداث والجماعات.

 

وكنت في حواري اجر الحديث الى الموضوعات التي تغلب فيها الثقافة والفكر على السياسة، وقارنت بين موقف محمد عمارة ومحمد الغزالي من مدرسة ونشاطات جمال الدين الافغاني وتلميذه محمد عبده، وموقف العلامة مصطفى صبري ومحمد محمد حسين من ذات المدرسة الاصلاحية (الافغاني وعبده). واستطاع عبد الله كمال ان ينفذ من الموضوع ذاته الى السياسة حيث اعتبر حسن البنا احد آثار تلك المدرسة مع التحفظات العديدة، ثم ذكر لنا عبد الله كمال عن الجماعات السياسية الناشطة في مصر ولما سألته عن تقييمه لثقل الاخوان المسلمين واستراتيجياتهم وتكتيكاتهم الجديدة فكان رأيه ان الاخوان ماضون الى الاضمحلال فخلافاتهم الداخلية قوية والانشقاقات الحادة آخذة في الازدياد ومصطفى العريان القيادي البارز عندهم على وشك الخروج وذكر معلومات كثيرة وهذه رؤية نتفهمها من صاحبها رغم انه خصم لدود للاخوان لكن الشاطر هو الذي يجعل من ناقديه مرآة تجلي له ما لا يراه او ما يخفيه عنه المستفيدون من وجود هذه التجاوزات مهما كانت عظيمة تماما كالمرايا الصدئة من المحيطين بالرئيس المصري المخلوع التي أطفأت حوله كل ضوء يكشف له مدى الوادي السحيق الذي سوف يهوي فيه... ارجو ان يستفيد الانسان اي انسان ويستثمر النقد مهما كان غريبا، على الاقل تفهم كيف يفكر الآخر. انني عجبت من فرانسوا دو كلوسيه صاحب الكتاب الضخم (اينشتاين ضد الصدفة) اصدار المركز القومي للترجمة - مصر - عجبت من هذا الرجل الذي لم يصف انتقادات مخالفيه بالكوسة ثم يذكر بعدها بأنها ضرورية للمتعة (متعة القراءة، والاكتشاف، والفهم...) نسيت تلك السهرة مع رئيس تحرير روز اليوسف الى اليوم الاول من ثورة المصريين في ميدان التحرير وكانت الامور في بدايتها والحماس بعد لم يشتعل بالشكل الذي أذهل العالم، والغموض يسيطر على الموقف وظنون اكثر المثقفين والعوام انها توترات سرعان ما تستوعبها الحكومة وتبردها وتجمدها... في هذه اللحظات استمعت الى تعليق في قناة العربية عبر الهاتف مباشرة مع عبد الله كمال وصورته على الشاشة يحلل الوضع القائم فكان مما قاله: «ان هؤلاء المتظاهرين مدفوعان من جماعة الاخوان المسلمين وهم عبارة عن مجموعة من البلطجية وشباب مغرر بهم ثم قال كمال لمحاورته او محاوره في العربية انظر الى اعمار المتظاهرين تجد انهم في سن الخامسة عشرة او السابعة عشرة»!!!

 

في الحقيقة أسفت على هذا التحليل لسذاجته ولأنه لن يقنع احدا ولأنه رئيس تحرير مجلة لها تاريخها - بقطع النظر عن الاتفاق معها - وجاءت المفارقة بتكذيب الواقع والجماهير ليس لأطروحة عبد الله كمال وكل من لوح بفزاعة الاخوان وإنما التكذيب للرئيس المخلوع الذي اراد ارهاب الغرب بأن الاخوان هم البديل!

 

هذا احد المشاهد للمثقف الذي يدور بمهنية وحرفية في فلك السلطة وليس له مهمة سوى ما يعرف الجميع... لكن الاكثر عجبا والاسوأ مشهدا من مفكري السلطة الطاغية ومثقفيها هم الذين يجملون الطغيان ويسترون عورات الاجرام السياسي بالديباجات الدينية واذا كان الفنانون والشعراء والمفكرون والصحافيون الذين يمارسون التزوير والتجميل للبطش السياسي هم سحرة فراعنة العصر الحديث فإن الشرعيين الذين يلمعون الطغاة هم مشايخ الفراعنة الصغار!

ولكل فرعون مشايخه الاعزاء!!