جاء الإعلان عن تنحي مبارك عن الحكم و كنا ثلاثة في صلاة المغرب يؤمُّنا الأخ عيسى النشار، اخترق صوت البيان أسماعنا؛ فصرخت: الله أكبر، وأخذ ثلاثتنا في بكاء مكتوم لو انفلت لكان نحيباً، ولم يستطع الأخ عيسى أن يكمل سورة الإخلاص في الركعة الثانية، وكان قد قرأ بالبروج في الركعة الأولى، وما أن انتهت صلاتنا حتى تدافعنا وقد شرقنا بدموعنا نحو التلفاز، كانت حقيقة ماثلة على قناة الجزيرة التي لم تقل بطولتها عن بطولة الشعب المصري الأبي الذي أطاح بأعتى نظام بوليسي في الثلاثين سنة الماضية، سبق ذلك ليلة قد خنقتني فيها كلمات مبارك جاءت بعد انتظار طويل لهذه الكلمة الهامة التي أخبرنا عنها حسام البدراوي (أمين عام حزب مبارك): أن مبارك سيتنحى، وبعد دقائق يخرج على الدنيا أنس الفقي (وزير إعلام مبارك) :بأن مبارك لن يتنحى !!
وأُقر وأعترف أنني لم أكن أجرؤ أن أنظر إلى قناة المصرية الأولى ولا الثانية ،التي كانت ألسنة مذيعيها و مذيعاتها سكاكين تقطع أملي في أن تتحرر مصر من هذا النظام الديكتاتوري الفظيع !! لأعود إلى الجزيرة منتظرا !! وإذا بمبارك ومن أول كلمة قالها يتحول إلى (بلدوزر) يهدم أملي كتلك الصهيونية التي تهدم مساكن المقدسيين، وتوشك أن تهدم الأقصى ...صرخت كالذبيح ...لماذا؟؟ أما يكفيك؟؟ أخذ يكيل لنفسه المديح في شبه استجداء و تسول، وجدتني أردد(الله ينكبك)...
نهضت بعد الساعة الحادية عشرة والنصف، حاولت أنام ...ولا سبيل لإغفاءة ..لا سبيل ...حتى كانت صلاة الفجر ..عدت منها وقد أثقل رأسي السهر، وشعرت بورم في جفوني ،نمت ساعة، نهضت، كتبت مقالتي الأخيرة...كانت موجهة لمبارك، جعلت لها (ارحل ..فذاك خير لك وأكرم)..وكان لابد لي أن أجمع أفكاري لأخطب الجمعة، صعدت المنبر تحدثت عن مصائر من أوتي كتابه بيمينه وذاك الذي يأخذه بشماله من سورة الحاقة ، عن التمرد وعن (التيس) فرعون، تحدثت عن رصيد مبارك وولديه وزوجته البالغ 70 مليار دولار، قلت بعجب : لو أنفق مليون دولار يوميا لمكث سبعين ألف يوم حتى ينفد ذلك الرصيد ...خرجت عن طوري ...
مضى اليوم بطيئا حتى كانت صلاة المغرب التي تحدثت عنها (بداية المقالة) تسلل إلى ذهني سؤال: لماذا عندما نفرح نبكي؟؟ وهل هذا هو حال الشعب الفلسطيني فحسب، أم حال كل الناس؟؟لست أدري !! مبارك قد أساء لمصر ،و للعروبة ...أساء للقدس، رضي لنفسه أن يكون حليفا بل أقوى حليف لأمريكا، وكلمة حليف هي البديل (الدبلوماسي) لكلمة عميل، رضي لنفسه أن يكون كنزاً استراتيجياً للأمن الإسرائيلي، أذل شعبه، جوعهم،استبدَّ بهم، أهانهم ،ضربهم، وضع العصي في (أستاه) شباب أحرار، حاصر غزة، من على منبرها أعلنت تسيفي ليفني الحرب على غزة، قالتها بوقاحة: Enough is Enough، خرجت الكلمات المخنوقة من حنجرة عمر سليمان أيضا لتقول: ذهب مبارك، فابتهج المقهورون والمضطهدون من المحيط إلى الخليج !! فعلاً من المحيط إلى الخليج، تنفس الغرباء والمغتربون...
في أرجاء الدنيا من الصين حتى أمريكا، حتى أوباما وأشتون وساركوزي وميركل، أي أحلافه لم يستطيعوا أن يدافعوا عن استبداده وظلمه وفساده، لم يستطيعوا أن يغطوا سوءاته ..ذهب مبارك وبادرت سويسرا بتجميد أرصدته وأخذ التلفزيون الرسمي يتحدث عن ظلمه وفساده ولصوصيته ولصوصية حاشيته، أنشأت قناة المصرية الرسمية (فورا) برنامجاً أعطته اسم(ملفات الفساد) وأسندت تقديمه لجمال الشويخ، وحددت له التاسعة مساء الجمعة من كل أسبوع، جاء في حلقته الأولى –عشية ذهاب مبارك- أنه اشترى قصر العروبة بمبلغ نصف مليار جنيه في أول عهده في منصب نائب الرئيس !!ذهب مبارك وذهب معه حزبه الذي فاز زوراً في آخر انتخابات بـ 95% من الكراسي، وفصَّل الدستور على مقاسه ليضمن لنفسه أن يظل في الكرسي إلى يوم القيامة ولم يدر أنه بذلك قد طغى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ليتقرر بعدها (إن في ذلك لعبرة لمن يخشى).