1- مفاجآت وتدارك:
فوجئ العالم عامة والغرب على الخصوص بثورة تونس، وفوجئوا أكثر بزوال بن علي صديق الغرب أو عميل الغرب وإسرائيل بهذه السرعة الخاطفة. ثم كانت المفاجأة الصاعقة الثانية، اندلاع نار الثورة بل نورها في مصر، وهي أخطر بكثير من تونس. أولاً لدورها القيادي الطليعي –خيراً وشراً- في الأمة. ولاتفاقيات الإذعان مع الكيان، وغير ذلك من الاعتبارات.. فتدارك الغرب نفسه، واستدرك الغرب نفسه، فلئن سقط نظام مبارك، ليكونن لهذا السقوط مفاعيل هائلة تفوق التسونامي الذي ضرب آسيا قبل سنوات. ولا يستطيع الغرب أن يتبنى بشكل سافر سافل الدكتاتوريات في العالم والعالم العربي خاصة، فقام يتكلم بلسان (غمغمة وغير مبين)، وفي السر يتكلم لغة أخرى بلسان آخر مبين. فهو يحض مبارك على التنحي في الملأ، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا لهم لا تتزحزحوا ونحن معكم. إن الخسارة بفقد هذا النظام لا تعوض والخدمات التي قدمها لا تقدر بثمن؛ فحرب الإسلام وحصار غزة وتضليل العقول وتمييع المناهج وتعهير الفن و.. ما لا يحصى من التخريب المنظم في البلاد، كل ذلك يجعلهم يتشبثون بالنظام ولا يسمحون بسقوطه. ولذلك صرح مبعوث العناية الأوبامية أنه يجب أن يبقى مبارك في السلطة حتى يكون هو الذي يتولى نقل الصلاحيات إلى من بعده. أو التداول السلمي للسلطة بتعبيرهم الذي يعني نقل الكرة من عميل إلى عميل. وليس نقل السلطة بثورة! وصرح أحد قادة أمريكا المتصهينين بأنه لا يجوز التخلي عن المبارك كما تم التخلي عن الزين.. وإلا اتخذت ديدناً في العالم العربي. ويبدو أن وصيته نفذت. أعتى الطغاة كان يتم إسقاطه في ربع زمن مبارك، وأقل من ربع الضحايا الذين سفك دماءهم، زيادة على حوادث الدهس التي تمثل حضيض الحضيض في سوء معاملة الشعوب.
ومع كل الضحايا، ومع طول الزمن، ومع زخم التجمعات والتجمهرات التي استطاع الشباب أن يحشدوها، ومع كل تصريحات العالم بضرورة التغيير، فإنه لم يحدث شيء.
هل تصدقون أن أمريكا "لا تمون" على "المأفون"؟ الجواب بالقطع لا. إنها تمون على أبعد من هذا، ولكنه التخاذل المتعمد الذي يتم إخراجه بصورة العجز الأمريكي.. متى شاؤوا طبعاً.
إن الدهاقنة الصهاينة والأمريكان هم الذين يديرون المعركة ضد الشباب، وهم الذين يخططون. فخبير الثورات والانتفاضات الصهيوني أعلن عن وجوده في مصر وليس سراً.
ومن ضمن خططهم الشيطانية.. المفاوضات. فمجرد أن طرحت المفاوضات انقسم الناس بإزائها، فكانت خطة جهنمية لتقسيم الصف الثوري، وتفتيت وحدة الشباب، وبدء تراشق فيما بينهم. وقد كان ينبغي التنبه للمقاصد. أما التفاوض مع سليمان فكالتفاوض الفلسطيني الإسرائيلي!
وعلى أي شيء التفاوض إذا كان سليمان يعلن منذ البدء: الرئيس خط أحمر! ماذا بقي ليتفاوض عليه.
ثم كانت محاولات تفتيت وحدة الأمة وتكريه الشعب للجيش والجيش للشعب. فبدأت قيادات الجيش تفاوض الشباب. والأصل أن تترك المناورات والألاعيب للسياسيين وستنتهي الأمور، فيما أرى، أن يصطدم الجيش مع الشعب لتحصل القطيعة التي لا يرحب بها أحد. ففي سبيل أن يظل واحد في موقعه لخدمة "إسرائيل" يجري تمزيق وطن وأمة وإضعاف عرى. وآخر سهم يمكن أن يرمى به هو تدمير سند الأمة: الجيش. فكيف ينتصر جيش في معركة مع عدو إذا فقد ثقة شعبه به؟
2- دور "إسرائيل" التحريضي:
حاول الصهاينة المجرمون أن يظهروا للعالم أنهم يكتفون بالمراقبة. وقال رئيس وزرائهم: علينا أن نراقب ما يجري باهتمام وضبط نفس. ولكنهم في الواقع وفي حقيقة الأمر منغمسون في الحدث إلى الأذقان. فكل ما في مصر جرت برمجته لعيونهم ولتحقيق مصالحهم، لا يند عن ذلك شيء. فهل يتصور أحد أن هؤلاء المجرمين، وقد دمرت قوة العالم العربي لصالحهم، ولعب نظام مصر دوراً خطيراً في ذلك، هل يعقل أن يروه يسقط وهم يتفرجون. هذا ما لا يكون. نظام مصر لا نحصي محاسنه التي عرضها على بني صهيون، فمن دمر العراق سنة 90، ومن حشد العرب لذلك؟ ومن كان وراء حرب 2003؟ ومن تواطأ في حرب غزة؟ ومن زرع الجدار الفولاذي بأربع مئة مليون دولار؟ ومن ومن؟ أهذا نظام يسكت الصهاينة على ترنحه؟ إن زواله بدء نهاية "إسرائيل"! فيجب الدفاع عنه بشكل مستميت، وإذا آل إلى أحد آخر، فيجب ألا يكون إلا إلى عمر سليمان أو مِن مَن جنده بنو صهيون ممن يحرس دولتهم ويحرس مصالحهم ويحرص عليهم!
فمن أول يوم شبه الصهاينة ثورة الشباب في مصر بثورة إيران! لينفروا الشارع والعالم من بعد من هذه الثورة فقد جرت شيطنة إيران من قبل.
أما دور الموساد، فلا أشك لحظة أنهم مقيمون في غرفة عمليات قمع هذه الثورة الشعبية. والأسلحة والقنابل السامة، فقد زودوا بها النظام. إن إدارة الصراع مع الشباب لعبت فيه أيدي هؤلاء المجرمين ودهاؤهم.
وقد دأب الصهاينة على التنبيه إلى خطر جماعة الإخوان على مصالح الغرب، ودأبوا على وصف الثورة بأن وراءها حركة الإخوان، وهو ما ردده النظام المصري.
3- موقف أمريكا:
لا تخرج مواقف أمريكا عن مواقف "إسرائيل". فالمهم لأمريكا مهم لـ"إسرائيل". والنظام في مصر يعمل للجهتين، وهو بالتالي يهم الجهتين، ولا نبالغ إذا قلنا إن مواقف أمريكا تابعة لـ"إسرائيل". وهذا جزء من العلو الكبير، الذي علاه هؤلاء المجرمون في هذه الحقبة.
وقفت أمريكا موقفاً مراوغاً لا تمسك منه شيئاً، ولا يتبين منه الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ولكن كلام هلامي مطاط يفسر بأكثر من وجه، ولا يمثل شيئاً، ولا مضمون له.
ثم جاء تخبط واضطراب في مواقف أكثر من طرف، مما يؤشر على انقسام، أو ربما ترتيب، وتوزيع أدوار، لئلا تأخذ منهم شيئاً. فلا يظهرون بمظهر من يتخلون عن حلفائهم، فيفقد باقي العملاء الثقة في سادتهم. وحتى لا يظهروا بمظهر من يساند الدكتاتوريات في العالم والعالم العربي بخاصة.. فهم في موقف لا يحسدون عليه.
ثم كملها وكحلها وزنر الذي قالت الإندبندنت إنه يعمل في شركة تقدم خدمات للحكومة المصرية (وافهمها بقى!) (يعني بلاك ووتر أخرى!) كملها حين قال مبارك يجب أن يظل في السلطة حتى يكون هو من يقوم بعملية التبديل السلمي للسلطة. (وخلي بالك من التداول السلمي!).
ملخص ما أريد قوله. إن شباب مصر اليوم في مواجهة حيتان العالم وتماسيحه ودهاقنته وشياطينه من قوى الصهاينة والأمريكان، ومن شايعهم من خونة العربان. كل ذلك المكر والكيد ليتم الالتفاف على الثورة. ويجري جر تدريجي للجيش إلى معمعة الاشتباك مع الثوار، وتحول نفسي متدرج في مواقف الجند والضباط نحو الثائرين.
ويجري التفاف خطير من خلال محاولة شق صف الثوار عن طريق التفاوض. وكنت أتمنى ألا يقبل أحد التفاوض، والتماسك أهم من كل مكاسب متوهمة من التفاوض.
ومحاولة استدراج أخرى من خلال التفاوض أن يخوضوا مع المفاوضين معركة حول النقاط التفصيلية ليبتعدوا بك عن الهدف المحوري وهو إزاحة النظام لا شخص مبارك فقط.
وكان رد الشباب ذكياً حين قالوا: لن نبحث في تعديل مواد لأن دستوركم سقط بالثورة.
هذه الثورة ثورة كاملة يجب أن يحافظ على زخمها، والحكماء الحقيقيون من يمدونها بالمشورة والرأي والاستشعار لا من يلتفون حولها أو يحاولون تجييرها أو يتواطؤون مع نظام يريد الالتفاف على الثورة.