ارحل فذاك خير لك وأكرم

نشر 12 فبراير 2011 | 08:37

أراني مجبرا أن أتناول (مصر ) للمرة الحادية عشرة ؛ أي سبق هذه المقالة عشر ، أجدني مجبرا وقد رأيت ما رأت الدنيا معي عظمة هذا الشعب الذي ظن الكثير أنه غرق في ملذات الحياة وحصر اهتماماته في الكرة و(بحبك يا حمار ) وآه ( شعبلله) وهدت قواه الحشيش وافسدت الرشاوى ذمته وضميره ، وظنت (إسرائيل) انها قد ألجمت لسانه بالمساعدات الصهيونية ، وأيقنت أن نظامها الحاكم هو كنزها الاستراتيجي ... رأى العالم شعبا يتحدى المستحيل ويتحقق فيه قول شاعره العظيم

فما استعصى على قوم منال إذا الإقدام كان لهم ركابا

 

فأقدموا ليتحدوا الموت ، فيقف شاب امام فوهة البندقية التي يوشك أن ينطلق منه رصاصة قاتلة ؛ غير مبال ، بل ويكشف عن صدره الأعزل ؛ فداء لمصر ، فتنطلق ، فتصيب منه مقتلا !! ويصعد دمه فوارا يشعل نيران الثورة في صدر فتاة ، كانت قبل لحظة هانئة في قصرها ، فتنطق بالحكم على قاتله ( يا حيوان ) وليس للحيوان أن يتحكم في روح مصر...

 

سمعت وسمع العالم هذه الهتافات المزمجرة تدعو الرئيس (للتنحي ) وما يتنحى الرئيس ، رغم ثلاثمائة شهيد وآلاف الجرحى !! رغم الخسائر التي أصابت الاقتصاد المصري في الكبد ، ولا يتنحى الرئيس !! رغم الفساد واللصوص ، ورغم نهب ثروات مصر على مدى ثلاثة عقود ، ولم يتنح الرئيس !!

 

رغم البرد الذي الذي يفري عظام الشرفاء الذين خرجوا ؛ ليستعيدوا كرامة مصر ، لم يتنح الرئيس الذي صبر عليه شعبه ثلاثين سنة ؛لأنه حارب من أجلها ، وسالم من أجلها، ووجدوا بأنها سنوات عجاف أكلت منهم اللحم وبرت العظم ، ووجدوا دولتهم التي كانت قبلة الأحرار ومقبرة الغزاة الطامحين وقد أمست أعشاشا لبوم الصهاينة وغربان المفسدين ، فتأخرت وتأخرت حتى أمست في ذيل الدول في حين أن دويلات وممالك الطوائف قد ارتقت وصعدت ولحقت بركب الحضارة ، بل وإن منها من اجتاز الفضاء ..

 

لم يتنح الرئيس رغم إصرار شعبه على أن يرحل بما يحمل ذاك الإصرارمن شحنات غضب وإهانة لشخصه ، ورفض لوجوده ونبذ لنظامه ، وكأنهم يصرون على التخلص من عار لحق بهم على مدى سنوات حكمه الثلاثين !! عجيب .. فكم هي النكات وكم هي الشتائم التي ملأت سمع الدنيا وهو لا يبالي ، عجيب ! عجيب ! أي بقية من هيبة لكرسي الرئاسة تغري الرئيس بالتشبث به ؟! وأي هوان هذا الذي يعيشه الرئيس؟

 

نساء ، وأطفال ، وعلماء ،وأطباء ، ومهندسون ، وفلاحون ، وقساوسة ، وأزاهره ، كلهم يرددون بصوت هادر (الشعب يريد إسقاط النظام ) ويبدع الظرفاء والموسيقون والممثلون في التلحين والغناء والتأليف (ارحل يعني إمشي ... هو ما بيفهمشي ) ورغم ذلك لا يرحل الرئيس !!

 

عجيب ، كيف يطيب له المقام ، وكيف ينظر إلى كرسيه الذي جلب له كل هذه المهانة والتهكم والإصرار على رحيله ( ارحل بقه ايدي وجعتني ) و ( ارحل بقه وحشتني مراتي ) و(يا جمال قل لأبوك الشعب المصري بيكرهوك ) و(ارحل .. متورطش الجيش ) و أسمع حسن نافعة ( أنا مشفق على هذا الرجل أكثر مما أكرهه) فأي رئيس هذا يحكم هذا الشعب ، ويستدر عواطفهم ومشاعرهم وشفقتهم ليبقى ؟؟ ماذا بقي ؟؟؟ بالله عليك يا أبا علاء أرفق بنفسك وكرامتك وارحل ؛ فذاك خير لك وأكرم ، كما أنه أعظم لمصر المحروسة.

 

بعد كتابة هذا المقال بساعة ألقى الشعب المصري العظيم بهذا الطاغية إلى مزبلة التاريخ والحمد الله رب العالمين.