خلال تنقلاتي بواسطة السيارات العمومية من مكان إلى آخر أجد نفسي في معمعة حوارات بين الركاب تثور حينا، وتهدأ حينا، وقليلة هي المرات التي ينتهي بي المشوار وقد انتهى الحوار إلى مفاهيم مشتركة، وكأن المتحاورين طرشان لا يسمع أحدهم ما يقول الآخرون، ولا ينصت أحدهم للآخر .. الكل يتحدث في نفس الوقت ، ويجد نفسه مضطرا إلى رفع صوته حتى يغطي على أصوات غيره، كما يجد نفسه مضطرا إلى مزيد من التشنج حتى لا تقتحمه عيون الآخرين ، وإذا لاذ أحدهم بالصمت المطبق ليتناول طرف موضوع محدد يدخل من خلاله إلى ساحة الحوار، رأى نفسه قد تشابكت من حول لسانه أطراف مواضيع وأطراف، وكأن هناك مجموعات من البشر موكولة بإثارة مناكفات مثل أحمد الذي يصرخ عبر مذياع الـbbcوهو يشكو من فراغ جيبه من شيكل واحد؛ محملا المسئولية لرئيسي الوزارتين (غزة ، رام الله ) ثم يأتي بعده من يقول : سقى الله أيام العمل في (إسرائيل)، كنت أتقاضى 400 شيكل يوميا ، وأما اليوم فلا أجد شيكلا أقدمه لولدي ، وحتى يؤكد مراسل البي بي سي صورة الوضع المتردي في قطاع غزة يذيع مقطعا صوتيا لكريستوفر غينيس المتحدث باسم وكالة الغوث عن تدني الأجور في قطاع غزة الذي انخفض بمعدل 9% وعن نسبة البطالة التي بلغت 45% وهو معدل غير مسبوق !! يؤدي إلى تدهور الأحوال في قطاع غزة الذي قد يؤدي إلى انفجار ( بتحريض صريح!! ) وينشب بين الركاب اشتباك كلامي ما بين ساخط ومبرر ، لا يخلو من شتائم وسباب ، ليتطرق الحديث إلى مقارنات في الأسعار بين غزة ورام الله ، في محاولة لإثبات أن هنا رخاء وهناك جحيم أو العكس ، وتتدخل بعض الراكبات في الحوار في شكوى واضحة من ضيق ذات اليد ، وأن أخاها ( هناك ) لا يجد عملا ، وقد شبت نيران الغلاء في الطحين والخضروات واللحم ، لتصل بالمتحدثين الذين أنصتوا لها ، أن هناك أسوأ حالا من هنا ، ليثور في وجهها شاب : أنت تنافقين !! فتتمتم السيدة : الله يسامحك يا ولدي ، وتقسم على ألا مصلحة لها هنا ولا هناك ، وتموج السيارة فجأة لارتطامها بمطب، فيسخط السائق ، ويبرطم بكلمات غير مفهومة ، ولكن لا ينسى أن يشكو حاله التي تعاني من الضيق الذي تسببه له الضرائب ، والورشات ، وفقر بعض الركاب ، وضروريات الحياة ، ثم يحمد الله بزفرة وكأنها أنفاس من نار .. أنزل وفي رأسي دوار ، وقد تعودت أن أصطحب كتابا أثبت عقلي على سطوره وأحاول أن أخضع سمعي وبصري لما يقول المؤلف ، وبالكاد أستوعب سطرا من كل صفحة ، لأنني أعدت قراءته ثلاث أو أربع مرات ...
إن السيارات وما فيها من ركاب تعكس واقعا لا يجوز غض الطرف عنه ولا بد من التوقف عنده طويلا ، ولذا أرى :
1- أن ينزل المسئولون، كل حسب تخصصه وموقعه، إلى الجمهور ليجيب على تساؤلاتهم ، ويكشف لهم عن حقيقة الواقع.
2- إصدار نشرات دورية لتبصير الناس بجهود الحكومة في إصلاح الواقع الاقتصادي ( تجارة – صناعة ) والزراعي ، وعوائد ذلك على المجتمع الفلسطيني.
3- تبصير الناس بكيفية إدارة الأنفاق ، وما يلازمها من سلع وضرائب ( خاصة في الدخان والسيارات ).
4- إعداد برامج دورية لربط المجتمع المحلي بالبلديات لتعريف الناس بمشاريعها وفرص العمل التي توفرها.
5- التواصل الدائم بين الشرطة والمواطن والمحاكم والمواطن؛ كي يشارك الجميع في تحمل المسئولية في تطهير المجتمع من الفساد والمفسدين.
6- توفير الدعم المالي لشريحة العمال ما أمكن بشكل دوري لمن لم تتوفر لهم فرص العمل ولو في برامج البطالة.
7-
وبهذا وبغيره تخف حدة الحوارات في السيارة..