ثقافة التغيير

نشر 07 فبراير 2011 | 08:22

(200) ألف متظاهر بقيادة مارثن لوثر كنج غيرت وجه أمريكا، وأخذ الرجل الأسود حقاً مساوياً للأبيض. واليوم يتولى رئاسة البيت الأبيض أوباما وهو رجل أسود. (8 ملايين) يتظاهرون في القاهرة، ولما يحدث التغيير، وبعض المعلقين يقولون هذا لا يكفي للتعبير عن الشعب وعن التغيير، فبماذا نفسر هذه المفارقة ؟

 

التفسير الممكن لهذه المفارقة الصادمة يكمن في الثقافة المجتمعية العامة، وفي طبيعة الحياة الحزبية، وأعني بالثقافة العامة للمجتمع هو استقرار الحياة الديمقراطية القائمة على التنافس الحزبي الحقيقي، وصندوق الاقتراع والتداول السلمي للسلطة في أمريكا وأوروبا، فثقافة التداول السلمي للسلطة تجعل قيادة الدولة رئيساً أو رئيساً للوزراء على قدر عال من الحساسية المبصرة للإرادة الشعبية . فخروج عشرات أو مئات للتظاهر عمل كاف لاستقالة الرئيس، أو انعقاد البرلمان وطرح الثقة في الحكومة.

 

الثقافة القائمة على الحساسية العامة (المبصرة) سمة مشتركة بين الحاكم والمحكومين معاً. لا يوجد في أوروبا مثل شعب مبصر وراشد، وحاكم مستهتر لا يبالي بإرادة الشعب ووجهة نظره فكلاهما مبصر.

 

في مثل هذه الحالة الشعب لا يضطر لاستخدام القوة للتغيير، ولا يضطر الحاكم لإنزال الجيش والمدرعات ولا حتى البغال والجمال. لذا فبحكم الثقافة لا يجد الحاكم ما يخدش كرامته إذا ما قدم استقالته من منصبه نزولاً على رأي الشعب. وبعضهم تنازل عن الحكم تحملاً للمسئولية ونزولاً على رأي المتظاهرين، وعاد مرة أخرى إلى الحكم بإرادة شعبية بعد أن فهم الدرس واستوعب رسالة الشعب. هذه الثقافة هي ما ينقص المجتمعات العربية في العلاقة بين الحاكم والمحكوم. لذا فإن النظم العربية تفرض على الشعوب البحث عن آليات تناسب ثقافتها من أجل التغيير.

 

وأقصد بطبيعة الحياة (الحزبية المستقرة) تلك التي تجعل من الحزب حكماً على رئيسه وتصرفاته، وليس العكس. الحزب هو الأكثر استجابة لحركة الرأي العام وإرادة الشعب، والحزب هو الذي يحاسب رئيسه حين يتظاهر الشعب ضد سياسته، ولذا تجد الحزب في أوروبا يبادر بتغيير رئيسه حين تتناقص شعبية الرئيس والحزب، باعتبار أن مستقبل الحزب يجب أن يتقدم على رئاسة الحزب، لأن الدورة الانتخابية تنتظر الجميع، وإرادة الشعب يترجمها صندوق الاقتراع. هذه الحياة الحزبية الجادة المستقرة لا وجود لها في البلاد العربية. فرئيس الحزب عندنا حكم على الحزب ومرجعيته، لذا فإنه في حال سقوط الرئيس يسقط معه الحزب ، هكذا هو الحال في حزب التجمع الدستوري التونسي ورئيسه بن علي ، فالحزب في طريقه إلى التلاشي بسقوط بن علي نفسه.

 

إن اختلاف الثقافة المجتمعية، واختلاف الحياة الحزبية بين النموذج الغربي والنموذج العربي، يفرض على المهتمين إعادة النظر في آليات التغيير، ومناهج التغيير، إذ إن التقليد والمحاكاة (غير المبصرة) للفروق الثقافية والحزبية تجعل الثورات في بلاد العالم الثالث عرضة للسرقة أو الاحتواء من خلال تضافر عناصر داخلية وخارجية على هدف السرقة والاحتواء.