مع نهاية يناير 2011م يبدو أنه قد جاء دور طاغية مصر في الغابة العربية، فهرع له الأمريكان والطليان، والكثير من العربان وبكاه القاذافي بملعقة ومعلقة كما بكى من قبل على بن شقي؟
إن مايدور في مصر هي أم المعارك صدقا وعدلا ففيها الحسم ومنها ستنتشر رياح التغيير إلى كل زوايا البيت العربي المظلم المعفن؟
ومهما تكون نتيجة الصراع فقد كسر الجمهور حاجز الخوف وولد محررا من جديد وليس من قوة طاغوتية تستطيع الإمساك به؟
مع هذا فإن عصابة مبارك ليست جديدة في تاريخ الطغيان فقد ذكر القرآن أن هناك دوما ثمة تسعة رهط في المدينة يفسدون ولا يصلحون..
ويستغرب عن عدم اتعاظ الطغاة من درس التاريخ ومما يجري حولهم، ولكن هذا هو درس التاريخ أن كل طاغية يكرر نفس الخطأ ومثلا من التاريخ أن (تشاوسيسكو) طاغية رومانيا السابق سئل قبل مصرعه بأربعة أيام وقد اندلعت الأحداث في مدينة (تيمي شوارا) على يد قسيس مسالم عما يجري وهل يخشى أن تتطور الأمور الى أسوأ قال: عندما تتحول أشجار البلوط الى تين عندها قد تتغير الأوضاع في رومانيا.
قال له الصحفي من جديد ولكن العاصفة في أوربا الشرقية عرت كل الأشجار فهل يمكن أن يصيب رومانيا ما أصاب من حولها أجاب بثقة مطلقة: هذا صحيح وقد تغيرت الأوضاع في كثير من دول أوربا الشرقية ولكن رومانيا شيء آخر لاتعرفونه أنتم نحن نعلمه.
من الغريب أن كل طاغية يكرر نفس المقولة ويحيق به نفس العذاب. كان ينطق على نحو من يسيطر على القدر وتجري الرياح مرسلات بين يديه. وأنه يشكل استثناءً أسطورياً فوق قوانين التاريخ. ولكن الذي حدث أنه في أيام معدودات أصبح تحت التراب عظة لكل طواغيت الأرض الذين لايتعظون. وترك خلفه (قصر الشعب) الذي أنفق عليه ميزانية خاصة كي يعمره فسكن المقابر والبلى وتركه خلفه خاويا على عروشه بما ظلم. وسرى عليه قانون التاريخ كما سرى على فرعون والمؤتفكات وأصبح سلفاً ومثلاً للآخرين.
وانهار نظامه بأسرع من بيت كرتون. وودع هو والنخبة التي روعت البلاد والعباد فما بكت عليهم السماء والأرض وماكانوا منظرين.
من المثير أنه من رومانيا انتشرت اسطورة (دراكولاDRACULA ) فيخرج في الليل بأنياب ذئاب لينقض على النيام فيمتص دماءهم ويحولهم الى أشباهه على شكل أشباح تعس في عتمة الليل البهيم تنشر الرعب.
كان شاوسسكو دراكولا ولكن يمارس الرعب في وضح النهار. وكان قطيع الاستخبارات (السيكوريتات) مائة ألف أو يزيدون مسلحين بكل عتاد في أوجرة تحت الأرض بأنفاق لانهاية لها ولكنهم اختفوا خلال أيام وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون.
كل طاغية يكرر كلام شاوسسكو على نحو آخر فيقول نعم إن شاوسسكو سقط لأن قدميه كانت من صلصال من فخار أما أنا فمعدني من مارج من نار.
والسؤال كيف يمكن لفرد الامساك برقبة امة تعد بالملايين؟ ماهي الآلة الخفية الجهنمية للاستبداد؟ كيف نفهم آلية عمل الحاكم والأعوان؟ كيف تتشكل القبائل الأمنية الضاربة؟
في عام 1911 م وزع منشور شيوعي على شكل كاريكاتور يضم خمس طوابق وفوق الجميع استقرت صرة مكتنزة بالدولارات، وفي أسفل المنشور كتب (الهرم الرأسمالي)؟
إذا تأملنا الصورة تبين لنا في أعلى الهرم الطبقة الحاكمة وبجانبها عبارة:(نحن نحكمكم).
وأسفل منها يبدو أعوان الحاكم وسواعده من كاهن ومبشر وبجانبها كلمة:(نحن نخدعكم).
أما الطابق الثالث فقد امتلأ بالجنود والأسلحة وبجانبها كلمة:(نحن نقتلكم). وفي أسفل الهرم ارتمى حشد لانهاية له من الجياع والأطفال المهملين والعائلات المحطمة لصنفين من الناس: العمال والفلاحين وبجانبهم جملة:(نحن نعمل من اجل الجميع نحن نطعم الجميع).
وبين طبقة البؤساء هذه وطبقة الجنود جلست طبقة مترفة منعمة تأكل من عرق وجهد المساكين وبجانبها كلمة ساخرة:(نحن نأكل من اجلكم).
من سخرية الأقدار أن شاوسسكو كان شيوعياً أحمراً مراً، والشيء الذي جاءت من أجل اقتلاعه الشيوعية تحديداً تم ترسيخه على يد الرفاق أضعافاً مضاعفة فخدمت الرأسمالية أيما خدمة.
وعُبِد ستالين ولينين وماوتسي تونغ بأشد من عبادة بني اسرائيل للعجل الجسد فكان له خوار ألم يروا انه لايكلمهم ولايهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين.
الدولة تقوم على احتكار العنف بواسطة الآلة العسكرية وامتداداتها من القبائل الأمنية الضاربة بفارق أن من يدخل في (جوار) شيخ قبيلة أمنية لايحمي نفسه من بقية القبائل التي تصل أذرعتها لكل مواطن أينما كان في أي وقت في ظل أحكام عرفية مفتوحة.
الجيش يقضي على الفردية ليحول المجموع الى قطعة لحمية مستلبة التفكير والمبادرة والارادة تعمل لصالح أرادة خارجية تنفذ من دماغ متفرد بأرادة شخص واحد هو القائد. وحتى لايحصل أي تمرد ولضمان مطلق الطاعة والانصياع فإن التدريب يقوم على أن حياة الفرد من حياة القطيع ومخالفته للأوامر يعني الموت في محاكم ميدانية.
بهذه الطريقة تنشأ جيوش المرتزقة المستعدة للقتل بموجب الأوامر بدون تردد. وعندما يوقد مجنون عسكري ناراً للحرب فإن الفرق العسكرية مزودة بفرق إعدام خلف الجيش فإذا لاحظوا أن الجندي لايطلق الرصاص سحب وأطلق عليه الرصاص. وإذا التقى جيشان كما وصف (فولتير) فليس أمامها سوى أن تقتتل بما لاتفعله البهائم بآلية المحافظة على الحياة. ويروي المؤرخ توينبي عن الحروب أنها كانت (تسلية الملوك) فكان الشباب ينحر بعضهم بعضاً بأشارة من أصبع. هكذا فعلت المؤسسة العسكرية وكذلك يفعلون. والى هذا القانون الاجتماعي انتبهت الملكة اليمنية قديماً أن العسكريين إذا دخلوا قرية افسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون. يقول (جارودي) في كتابه (نحو ارتقاء المرأة) أن العمود الفقري للآلة العسكرية تقوم على مبدأ التخلي الكامل عن المسؤولية الفردية والارادة المتميزة والتخلي عن أي مسحة تفكير. كما أن سمة المؤسسة العسكرية الأولى الذكورية وبذا مسخ الوجه الانساني للمجتمع فظهر بعين واحدة كما في أسطورة عملاق أوديسوس.
وكل فلسفة القرآن تقوم على تحرير المسؤولية الفردية أن الحساب في الاخرة فردي يوم يفر المرء أمه وابيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعاً عله ينجيه. كلا لاوزر.
الحاكم يمسك الأمة بواسطة الجيش ويتماسك الجيش بأمنه الخاص فيُقتَل من لايقتُل. وهي بدورها تصعد لتشكل في قمة الهرم الاجتماعي شريحة صغيرة متفاهمة لاتزيد عن أصابع اليدين عددا تعمل بهذه الآلية وهي التي تفطن لها منذ القرن السادس عشر للميلاد (أتيين دي لابواسييه) فسجلها في كتابه (العبودية المختارة) عام 1562 م فوصف (مجموعة الستة) التي تمسك بالبلد على النحو التالي:
(إنني اقترب الآن من نقطة هي التي يكمن فيها على ما أعتقد زنبلك السيادة وسرها ،ويكمن أساس الطغيان وعماده… إن من يظن أن الرمَّاحة والحرس وأبراج المراقبة تحمي الطغاة يخطيء. فلا جموع الخيالة ولافرق المشاة ولاقوة الأسلحة تحمي الطغاة، والأمر يصعب على التصديق للوهلة الأولى ولكنه الحق عينه: هم دوماً أربعة أو خمسة يبقون الطاغية في مكانه أربعة أو خمسة يشدون له البلد كله الى مقود العبودية. في كل عهد كان ثمة أربعة أو خمسة تصيخ اليهم إذن الطاغية يتقربون منه أو يقربهم اليه ليكونوا شركاء جرائمه وخلان ملذاته وقواد شهواته ومقاسميه فيما نهب. هؤلاء الستة يدربون رئيسهم على القسوة نحو المجتمع، لابشروره وحدها بل بشروره وشرورهم. هؤلاء الستة ينتفع في كنفهم ستمائة يفسدهم الستة مثلما افسدوا الطاغية، ثم هؤلاء الستمائة يذيلهم ستة آلاف تابع يوكل اليهم مناصب الدولة ويهبون إما حكم الأقاليم وإما التصرف في الأموال ليشرفوا على بخلهم وقساوتهم وليطيحوا بهم متى شاؤوا، تاركين إياهم يرتكبون من السيئات مالايجعل لهم بقاء الا في ظلهم، ولابعداً عن طائلة القوانين وعقوباتها الا عن طريقهم. ما أطول سلسلة الاتباع بعد ذلك ! إن من اراد التسلي بأن يتقصى هذه الشبكة لوسعه أن يرى لا ستة آلاف ولا مائة ألف بل أن يرى الملايين يربطهم الطاغية بهذا الحبل).
ويرى لابواسييه أن هذه السلسة يمكن أن تمتد بالطول والعرض من خلال فتح الباب لكل مظاهر الحظوة:(من هنا جاء خلق المناصب الجديدة وفتح باب التعيينات والترقيات على مصراعيه. كل هذا يقينا لا من أجل العدالة بل أولاً واخيراً من أجل أن تزيد سواعد الطاغية).
أما نوعية الناس التي تلتف حول الطاغية فيجب أن تكون من معدن خاص يقول لابواسيييه:( ماأن يعلن حاكم عن استبداده بالحكم الا والتف حوله كل أسقاط المملكة وحثالتها وماأعني بذلك صغار اللصوص بل اولئك الذين يدفعهم طموح حارق وبخل شديد ليصيروا هم أنفسهم طغاة مصغرين في ظل الطاغية الكبير. هكذا الشأن بين اللصوص ومشاهير القراصنة: فريق يستكشف البلد وفريق يلاحق المسافرين. فريق يقف على مرقبة وفريق يختبيء. فريق يقتل وفريق يسلب).
ويصف الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد) هذا النموذج من الأعوان:
(الحكومة المستبدة تكون طبعاً مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم الى الشرطي والفراش وكناس الشوارع. ولايكون كل صنف الا من أسفل أهل طبقته أخلاقاً؛ لأن الاسافل لايهمهم جلب محبة الناس وإنما غاية مسعاهم اكتساب ثقة المستبد. وهذه الفئة يكثر عددها ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته فكلما كان المستبد حريصا على العسف احتاج الى زيادة جيش العاملين له واحتاج الى الدقة في اتخاذهم من أسفل السافلين الذين لاأثر عندهم لدين أو وجدان واحتاج الى لحفظ النسبة بينهم بالطريقة المعكوسة وهي أن يكون أسفلهم طبعاً أعلاهم وظيفة وقربا. إن العقل والتاريخ يشهد أن الوزير الأعظم هو اللئيم الأعظم في الأمة).
أو يقول الكواكبي عن وصف جو الطغيان وأشخاصه على النحو التالي:
(حتى صار الفلاح التعيس يؤخذ للجندية وهو يبكي فلايكاد يلبس ثوبها الا ويتنمر على أمه وأبيه ولايميز بين أخ وعدو) ( وقد يوجد منهم من لايتنازل لقليل الرشوة ولكن لايوجد فيهم من يأبى اكثرهأ) (لايستصنعون الا الاسافل الأراذل ولايميلون لغير المتلمقين المنافقين)
ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية والفلسفة لاعقلية وحقوق الأمم وسياسة المدنية والتاريخ المفصل والخطابة الأبية وبالإجمال إن المستبد يخاف من العلوم التي توسع العقول وتعرف الانسان ماهو الانسان؟ وماهي حقوقه؟ والمستبد يبغض العلم لنتائجه كما يبغضه لذاته. والعوام هم قوت المستبد وقوته يأسرهم فيتههلون لشوكته ويغصب أموالهم فيحمدونه على ابقاء الحياة، ويهينهم فيثنون على رفعته، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته، وأذا اسرف باموالهم يقولون عنه كريم، واذا قتل ولم يمثل يعتبرونه رحيما ) ( من هم العوام ؟ هم اولئلك الذين اذا جهلوا خافوا واذا خافوا استسلموا) (يستدل على عراقة الأمة في الاستبداد أو الحرية باستنطاق لغتها وهل هي كثيرة ألفاظ التعظيم) (والغالب أن رجال الاستبداد يطاردون العلماء وينكلون بهم فالسعيد من يتمكن من مهاجرة دياره وهذا سبب أن كل الانبياء العظام عليهم الصلاة والسلام وأكثر العلماء الأعلام والأدباء النبللاء تقلبوا في البلاد وماتوا غرباء)
ونعود الى قصة شاوسسكو فبعد تصريحه عن شجرة البلوط والتين جمع الناس في صعيد واحد واستنفر الزبانية وسلَّح السيكوريتات ثم خرج على الناس يخطب في الجموع: أليس لي ملك رومانيا وهذا الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون واستخف قومه فأطاعوه.
ثم حدثت المفاجأة عندما صفر أحد الحاضرين استهزاء فانكسر حاجز الخوف ولم ينفع رصاص القمع وكانت شرارة تحولت الى حريق كبير التهم كل نظام الطاغوت في ساعات فقطع دابر القوم الذين ظلموا وقيل الحمد لله رب العالمين.
وهو ماسيحصل في مصر ثم يلتفت الجمهور المنتصر ليقول الدور على من؟ طبيب العينية في سوريا؟ أم حامل العكازة السوداني العقيم الذي لم يرزق بغلام يورثه من بعده؟ أم القذافي المضحك الذي وصفته مجلة در شبيجل الألمانية عائلته بلفظة عائلة غير ممكنة (Unmoegliche Familie)؟ أم بوتفليقة الجزائري الذي يهيء أخاه من بعده كما فعل كاسترو مع أخيه راؤول؟
إنه دومينو (Domino) عربي سينهار واحدا تلو الآخر؟
ظاهرة الدومينو تشبه ماحدث في أوربا الشرقية وهي من علم الهندسة حين تكون التراكيب تعتمد على بعضها البعض فإذا انهار الأول تابع طريقه بأعنف في إسقاط الثاني وهذا ماحدث حريق البوعزيزي في تونس أشعل تونس، وحريق تونس بدوره أشعل مصر، وحريق مصر سيحيل العالم العربي كله حريقا هائلا يلتهم مفاصل الأنظمة الطاغوتية؟
ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا؟
سؤال كبير عن نهاية مبارك هل سينتهي قتلا أم شنقا أم طريدا أسيفا مثل الشاه أم ضربا بالرصاص مثل شاوسسكو أم هريبة مثل بن شقي؟ ليس المهم هنا فقد بلغ من العمر عتيا قد يعيش في أحسن أحواله عشر سنين فقد تجاوز الثمانين وهو ليس في أفضل سنوات صحته بل عليلا فاقد الذاكرة عشي البصر مطقطق المفاصل مهدود الحيل مع سرطان وباركنسون..
ليس المهم هنا بل حين يقوم الناس لرب العالمين؟؟