هذه هي أمريكا

نشر 01 فبراير 2011 | 11:19

الدرس الثاني في المنطقة العربية كشف حقيقة أمريكا، والتي تبني علاقاتها على تحقيق مصالحها، وأن علاقاتها مع الرؤساء والزعماء ليس لكونهم أصدقاء؛ ولكن لكونهم على رأس نظام يحقق مصالح أمريكا في المنطقة.

 

ولا يعني أمريكا من يكون على رأس النظام بقدر ما يعنيها أن يكون على رأس النظام أداة من أدوات تنفيذ سياستها، عندها يمكن أن تقف إلى جواره، وفي نفس الوقت هي تحافظ على رأس النظام الخادم لها طالما أن الشعب لم يتحرك لنبذه، وعند نبذه لا تقف أمريكا بجواره وتتركه إلى مصيره، وفي نفس الوقت تسعى إلى الحفاظ على النظام نفسه بمكوناته السياسية والتي تنسجم مع استراتيجية الإدارة الأمريكية في المنطقة.

 

الرئيس المصري كان أداة طيعة لينة في يد الإدارة الأمريكية، وكان خير من يقوم بتنفيذ كل الأوامر الأمريكية بمعاونة رؤساء الأجهزة الأمنية، حيث شكّل وزير المخابرات المصرية عمر سليمان الرجل الذي حكم مصر بشكل فعلي على المستوى السياسي الداخلي والخارجي، ولعل كافة المراقبين للوضع المصري والمنطقة العربية لاحظوا عند خروج عمر سليمان في غالبية زياراته الخارجية يصحب معه وزير الخارجية أحمد أبو الغيط، وكان وجود مبارك وجود شكلي لا يقدم ولا يؤخر.

 

من هذا المنطلق نجد أن الموقف الأمريكي من حسني مبارك موقف فاتر، بل كان موقفاً ينادي بضرورة الاستجابة لمطالب الشعب وإجراء إصلاحات، وحوار مع الشعب، هذا يعني بشكل مباشر أن يتنحى هو عن السلطة، حتى الإجراءات التي اتخذها وفق الرغبات الأمريكية من تعيين نائب للرئيس تمثل في شخص الرجل القوي في سلطة مبارك، وهو عمر سليمان الأقرب إلى الإدارة الأمريكية الإسرائيلية، لم تقنعها بالوقوف إلى جواره.

 

أميركا اليوم تستجمع مهاراتها وتتواصل مع بعض الأنظمة العربية التي لا تزال قائمة في محاولة منها للعمل بكل السبل في الحفاظ على النظام كنظام حتى لو ذهب مبارك، لأن الإدارة الأمريكية تدرك أهمية بقاء النظام المصري بسياساته التي بنتها أمريكا على مدى ثلاثين عاما، ولا يعنيها كثيراً بقاء مبارك لأن إسقاط مبارك بات مطلبا شعبيا، لا تستطيع أمريكا مخالفته وتدفع بالحفاظ عليه؛ ولكن يمكن أن تستبدل وجهاً آخر على رأس النظام يحافظ على مكوناته التي تخدم سياستها في المنطقة.

 

إسقاط النظام المصري أمريكا تدرك خطورته على مصالحها، وهذا ما يحكم الإدارة الأمريكية، لأن النظام المصري قائم على خدمة المصالح الأمريكية في المنطقة وذراعها السياسي في الملفات الساخنة وخاصة الملف الفلسطيني، تغيير النظام في مصر من المتوقع أن يشكل ضربة كبيرة لإستراتيجية أمريكا في المنطقة إلى جانب أنه يهدد بشكل كبير حالة السلم مع (إسرائيل) كذراع متقدم للإدارة الأمريكية في المنطقة، وتغيير النظام لن يكون في صالح (إسرائيل) والتي بدت قلقة جدا مما يجري...

 

حتى أنها وضعت كل إمكانياتها تحت تصرف عمر سليمان في الحفاظ على بقاء النظام المصري، حتى لو أدى ذلك إلى ارتكاب المجازر بحق الشعب المصري، لأن ما يعين (إسرائيل) على تحقيق مصالحها وهذا يحققه النظام القائم.

 

أمريكا تبذل جهداً كبيراً في هذه المرحلة، وتستخدم كل أدواتها في المنطقة من أجل المشورة في كيفية الحفاظ على النظام المصري، لان سقوط النظام المصري يشكل سقوطاً لكل الأنظمة القائمة في المنطقة الأمر الذي يشكل خطراً كبيراً على السياسة الأمريكية وستعاني أمريكا وحليفتها (إسرائيل) من مواقف مناهضة لها ورافضة لتنفيذ سياستها، وهذا يعني فشلا ذريعا للإدارة الأمريكية، ويعني في نفس الوقت بلورة سياسية مخالفة للسياسة الأمريكية وربما مقاومة لها، لذلك أمريكا تسعى إلى الحفاظ على النظام دون نظر إلى رأس النظام والمطلوب منه الآن الرحيل للحفاظ على النظام السابق.