الاستفتاء آلية ديمقراطية تعني الاحتكام إلى الشعب, في الحكم النيابي ينوب المنتخبون عن الشعب, وحين تكون القضية ذات أهمية خاصة ومميزة يلجأ الحكم النيابي إلى آلية الاستفتاء للتعرف على مزاج الشعب وتوجيهاته.
في البلاد العربية تكون نتائج الاستفتاء عادة هي 99% تؤيد رئيس الجمهورية, وتؤيد التمديد لحكمه وتوريث الحكم .
كل المثقفين, وجل الشعب يدرك أن هذه النتائج كاذبة ومزورة . ولكن إدراكهم يُطْوى في الأدراج, وفي القلوب لحين أن تنضج الظروف, وتأتي الفرصة المناسبة.
بن علي حكم تونس لعقدين ونيف بنسبة تأييد 99%, وحسني مبارك حكم مصر لثلاثة عقود بنسبة مماثلة 99%, وكان حزب التجمع الدستوري يركب ظهور الشعب, وظهور المؤسسات التنفيذية والتشريعية بنسبة 99% . وكان الحزب الوطني الديمقراطي في مصر يستولي على الحكومة, وعلى مجلس الشعب وعلى اقتصاد الوطن وثروته بنسبة تفويض هي 99% .
عادة ما يكذب المثقفون هذه الظواهر المزيفة, لكن الأحزاب المرتبطة بحبل سري مع قائد النظام تدافع عن نفسها وترفض قراءة المثقفين, وحتى يأتي الشعب ويخرج في ثورة شعبية تطالب بسقوط النظام, وبحرق المراكز الرئيسة لحزب الحكومة . كما حدث مع الحزب الوطني الديمقراطي في القاهرة.
الاستفتاء الحقيقي الصادق على شعبية النظام, أو شعبية الحزب الحاكم هو ما يحدث في الشارع . في الشارع تزحف تيارات الشعب من كافة الأعمار وتتجه إلى مؤسسات النظام لتحاصرها وتطلب من النظام الرحيل, وتطلب من الحزب الحاكم الرحيل أيضاً.
رحل بن علي, ورحل معه حزب التجمع, ولم يجد الشعب التونسي أثراً يذكر من نسبة 99% التي حكم بها الشعب بالقمع والقهر. وتُجْمع أصوات المتظاهرين في مصر على ضرورة رحيل النظام, ورحيل الحزب الديمقراطي. هتاف المتظاهرين وضربات الشعب الانتقامية ذهبت بطريق مباشر على الحزب الديمقراطي الحاكم, الحزب الذي ادعى تأييد الشعب له بنسبة غالبة تبرر جلوسه على ظهر الشعب لم يجد أحداً يطفئ الحريق الذي اشتغل في مركزه الرئيس وفي ملابس أعضائه.
لم تصدق القيادة كلام المثقفين وتحليلاتهم, وظلت في غيبوبة سياسية إلى أن خرج الشعب إلى الشارع في (استفتاء) حقيقي ليقول كلمة الحق . الشعب يريد إسقاط النظام . نحن نقرأ الاستفتاءات وتحليلات الباحثين, ولكننا لا نجد أبلغ من استفتاء تونس, واستفتاء مصر من الناحية الأكاديمية والموضوعية.
أرجو أن تقوم النظم الحاكمة بإجراء استفتاء حقيقي, قبل أن يقوم الشعب بإجراء هذا الاستفتاء بطريقته الخاصة, وهي طريقة ذات تكلفة عالية ولكنها محببة للجماهير.