شرعيتهم على المحك

نشر 29 يناير 2011 | 08:56

خلاصات الوثائق التي بثتها الجزيرة خلال الأيام الأربعة الماضية تثير ما لا حصر له من الأسئلة التي تتعلق بمضونها، لكني معني في اللحظة الراهنة بالعثور على تسمية مناسبة للقضية التي كان يجرى الحديث عنها وللفعل الذي ظل يمارس خلالها.

 

ذلك إنني بعدما تتبعت محاضر الجلسات وأذهلني المدى الذي ذهبت إليه العروض الفلسطينية، اعتبرت أن وصف ما جرى بأنه مباحثات أو مفاوضات أو تفاهمات أو تنسيق أمني هو من قبل التغليط و التدليس. وأقنعني ما وقعت عليه بأن أوصاف بريئة من ذلك القبيل يضلل الجماهير ويخدع الفلسطينيين بوجه أخص، من حيث إنه يوهمهم بأن ثمة آلية تتحرك، وأن ثمة أخذاً ورداً من شأنه أن يأتي للفلسطينيين بشيء في نهاية المطاف، في حين أن ما أثبتته الوثائق أن الأمور تمضي في اتجاه مختلف تماماً، وأن محورها الحقيقي هو كيفية تصفية القضية وإجهاض الحلم الفلسطيني بأفضل إخراج سياسي ممكن.

 

صحيح أنهم ظلوا يقولون للإعلام كلاماً آخر حماسياً وجذاباً، لكننا اكتشفنا أن كلامهم في الغرف المغلقة كان مختلفاً كثيراً. إذ في حين ظلوا يتشددون ويتشدقون برفض فكرة يهودية الدولة الإسرائيلية، فإن الوثائق نقلت على ألسنتهم -مثلاً- أنهم يوافقون على أي تسمية تطلقها "إسرائيل"، لكنهم لا يريدون إعلان ذلك ولا صدمة الرأي العام الفلسطيني والعربي.

 

بسبب من ذلك، فقد اعتبرت أن تسمية الفعل من الأهمية بمكان. إذ كما يحدث في التقاضي حين يتم التكييف القانوني للجريمة، وما إذا كانت مخالفة أو جنحة أو جناية، الأمر الذي يترتب عليه توجيه إلى محكمة معينة، ويضع سقفاً للعقوبة فيها، فإننا بحاجة لأن نحدد هوية الجريمة السياسية التي كشفت عنها الوثائق لكي نبني على ذلك التداعيات الأخرى الضرورية. وأدعو في ذلك إلى التريث وعدم التعجل في إطلاق التكييف المطلوب إلا بعد الإجابة على الأسئلة التالية:

 

* بماذا يوصف «المفاوض» الفلسطيني حين يتنازل عن حق عودة أكثر من خمسة ملايين فلسطيني ويعرض عودة عشرة آلاف فقط خلال عشر سنوات؟

 

* ماذا نقول في المفاوض المذكور حين يبدي استعداداً لتقديم تنازلات في الحرم الشريف، ثم يقول صراحة إنه يقدم ل"إسرائيل" أكبر أورشاليم (يقصد القدس) في التاريخ؟

 

* هل يمكن أن نطلق وصف التعاون أو التنسيق بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية ونظيرتها الإسرائيلية، حيت يتفاهم الطرفان على قتل بعض قادة المقاومة، وحين يعبر الإسرائيليون عن إعجابهم بالأداء الفلسطيني ويتحفظون فقط على قيام الأخيرين بتعذيب «أشقائهم» المقاومين، الأمر الذي يثير حفيظة الدول المانحة؟

 

* هل يدخل في باب التعاون والتنسيق أن يقول صائب عريقات إننا قتلنا أبناء شعبنا للحفاظ على النظام، الذي يقصد به حماية أمن "إسرائيل". وحين يعتبر رجال الأمن الفلسطينيين أنهم اعتقلوا في عام واحد 3700 من شباب المقاومة واستجوبوا 4700 آخر للاشتباه في علاقاتهم بالمقاومة كما صادروا 1100 سلاح كان يفترض أن يوجه إلى صدر "إسرائيل"، بأنه نجاح؟

 

* هل يعقل أن يدعو سلام فياض إلى تشديد الحصار على غزة و يدعو أحمد قريع "إسرائيل" إلى احتلال معبر فيلادلفيا (صلاح الدين) لإحكام ذلك الحصار؟

 

* بماذا يوصف قول أبو مازن للإسرائيليين إن أي رصاصة توجه إلى "إسرائيل" تعد موجهة إلى الفلسطينيين أيضاً؟ ومن هم هؤلاء الفلسطينيون المتوحدون مع عدوهم التاريخي؟

 

* كيف يوصف المشهد الذي طالبت فيه السلطة الفلسطينية بمزيد من السلاح لمواجهة حماس في غزة، وكيف نفهم قول وزيرة الخارجية تسيبي ليفني لكل من عريقات وقريع أن هدف "إسرائيل" الإستراتيجي هو تقويتكم وإضعاف حماس؟ وبماذا نفسر اعتبار العدو الإسرائيلي تقوية السلطة هدفاً استراتيجياً له؟

 

* بماذا نفسر أيضاً قول أبو مازن إنه أقنع أحد رجال الأعمال الفلسطينيين بالتبرع بمبلغ 50 مليون دولار لتمويل إذاعة خاصة بالسيد حسين موسوي المرشح السابق للرئاسة في إيران؟

 

أرجو أن تفكر معي جيداً في العثور على تكييف مناسب للفعل الذي أقدم عليه المفاوض الفلسطيني، وأن تستتبع ذلك بالتساؤل عن شرعيته في هذه الحالة وجدارته بالحديث عن القضية الفلسطينية وجدارته بالانتساب إلى فلسطين.