في هذا الطوفان الذي يجتاح العقل الفلسطيني، والذي استهدف تاريخه ومستقبله وحقوقه فإن ذلك يتطلب وقفة ؛ فالوثائق قد كشفت نتائج هذه المفاوضات الآثمة التي تجري بين القيادة الفلسطينية (!!) والقيادة الإسرائيلية، فيما يسمى بعملية السلام ، والذي أعلن عن فشلها مرات ومرات، أو أنها تراوح مكانها، وشهدها - منذ عشرين سنة – أربعة رؤساء أمريكيين، وستة رؤساء وزارة إسرائيليين وثلاثة رؤساء وزارة فلسطينيين (باستثناء هنية) ورئيسان فلسطينيان وملكان أردنيان ورئيسان سوريان ورئيس مصري...
وأما المفاوضون الفلسطينيون فبدؤوا بالمرحومين حيدر عبد الشافي وفيصل الحسيني بمشاركة حنان عشراوي في مدريد، ثم جاءت أوسلو والتي بدأها أحمد قريع وماهر الكردي وحسن عصفور، وذهبوا جميعا بعد أن أسسوا لأخطر علاقة مع الجانب الإسرائيلي، ثم برز اسم محمد دحلان ونبيل شعث ليذهبا، لينحصروا في فريق بقيادة صائب عريقات وياسر عبد ربه وبعض العسكريين يأتي في مقدمتهم نصر يوسف وحازم عطاالله، وعشرات غيرهم من وراء ستار!
وكان - دائما – صائب هو الشخصية المحورية منذ أن تسلم منصب كبير المفاوضين من أحمد قريع! والذي طاف الدنيا، وقضى مئات الساعات طائرا من عاصمة إلى عاصمة، ومئات غيرها في فنادق السبع نجوم، فهو الشخصية (الوحيدة ) الموثوقة لدى عباس و(إسرائيل) وأمريكا ثقة مطلقة لحمل هذا الملف، وهو خريج المدرسة الأمريكية في السياسة، وابن عائلة مرموقة برز منها المناضل كامل عريقات الذي كان له دور في النضال الفلسطيني قبل النكبة...
وأما بعدها فقد تقلد الكثير من المناصب في الحكومات الأردنية انتهت برئيس الديوان الملكي، بعد أن أمسى شخصية مقربة جداً إلى الملك حسين، ولد صائب سنة 1955 ، اشتغل بالكتابة الصحفية لسنوات إلى جانب محمود أبو الزلف في جريدة القدس التي اتخذت خطاً مستقلاً على الساحة الفلسطينية، ولكنه أقرب إلى السياسة الأردنية، ثم تقلد منصب مدير العلاقات العامة في جامعة النجاح، وصائب الذي يجيد اللغة الإنجليزية إجادة تامة، ويتحدث بها بالسرعة التي يتحدث بها اللغة العربية، قد اقترب كثيراً من عرفات ومن عباس من بعده منذ مجيء السلطة سنة 1994، ليصل خلال سنوات إلى ما وصل إليه من التفرد - مع عباس - في تقرير مصير الشعب الفلسطيني، والذي تمثل في تنازلات لا تنقطع قط حتى في ما لا يقبل القسمة أو التنازل عقلاً أو قانوناً، حتى من فاقدي الأهلية أو العملاء، وهذا الذي شكل ذلك الطوفان الذي داهم العقل الفلسطيني، والذي كشفت عنه الوثائق، وهو ما يوجب:
أولاً: التدقيق في العلاقة التي ربطت صائب (شخصياً) بالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية منذ أن كان في الغرب إلى يومنا هذا ، لا من منطلق التشكيك ، ولكن لمراجعة القرارات التي اتخذها والاتفاقيات التي أبرمها ودوافعها ، ولا بد من الوقوف على كل الجوانب الحياتية لصائب؛ الأخلاقية والاجتماعية والسياسية.
ثانياً: التدقيق في العلاقة بين عباس وصائب ؛ كيف بدأت ؟ وكيف سارت؟ وعوامل القوة فيها وعوامل الضعف، أهي شخصية محضة؟ أم أن هناك رابطاً خارجياً يفرض كلاً منهما على الآخر ؟ وما المصالح الشخصية التي تربطهما مع الاحتلال؟ وأيضاً ليس من باب التشكيك ، ولكن كضرورة من ضرورات الوقوف على حقيقة هذه الوثائق ودوافعها، وحقيقة أبطالها الحقيقيين، وما دور كل منهما فيها؟ وما هو المسكوت عنه أو غير المعلوم إلا لهما من تلك العلاقات؟.
ثالثاً: الوقوف على المخطط الحقيقي الذي نفذه بعض المنتسبين لحركة فتح، والذي أدى إلى انحرافها عن مسارها النضالي، وإلغاء ميثاقها، والدفع بها إلى هذه الشرذمة والفساد والتفكك والتفريط!
ليقف الفلسطينيون عامة والفتحاويون خاصة على حقيقة ما اعترى حركتهم ، فانتقل بها من رائدة النضال وصاحبة أول طلقة إلى الاعتراف بـ(إسرائيل)، والتآمر معها على ذبح شعبها، والتفريط بقضيته والمساومة على حقوقه!! من خلال هذه المفاوضات التي لا يجد الفلسطيني أقل ما يصفها بها إلا أنها عبثية.