عراة ومنبطحون

نشر 27 يناير 2011 | 09:29

بالقنبلة التي فجّرتها قناة الجزيرة مساء يوم الأحد الماضي (23) استحق شهر يناير الذي بدأت به العشرة الثانية من القرن الجديد أن يوصف بأنه شهر المفاجآت الصاعقة. ومن المبكر الآن أن نطلق هذا الوصف على العام الجديد، لكن القدر الثابت أن جرعة المفاجآت التي توالت هذا الشهر ستكون لها تداعياتها وأصداؤها على مدار العام. فقد بدأ الشهر -والعام- بتفجيرات الإسكندرية التي راح ضحيتها 23 شخصاً. وبعدها بأيام قليلة حسمت مسألة انفصال جنوب السودان عن شماله، وإن كانت شهادة ميلاد الدولة الجديدة لم تحرّر بعد. ولم نكد نخرج من أجواء الانفصال حتى انفجرت الثورة الشعبية في تونس، التي خطفت الأبصار ولا يزال رنينها يدوّي في الفضاء العربي. ونحن مشدودو الأبصار إلى تونس، فجّرت قناة الجزيرة قنبلتها التي أصابتنا جمعياً بالدوار، وألقت بنا في بحر الحيرة والدهشة. فنحن لم نكن نحسن الظن بالمفاوضين الفلسطينيين حقاً، ولدينا ما لا حصر له من علامات الاستفهام والتعجب حول أداء السلطة في رام الله، وتعاونها الأمني مع "الإسرائيليين" ضد المقاومة الفلسطينية، لكنّي واحد ممّن لم يخطر لهم على بال أن تصدر عنهم أمثال تلك المواقف التي سجّلتها محاضر جلسات المفاوضات الفلسطينية-"الإسرائيلية"، والتي بثّتها قناة الجزيرة هذا الأسبوع.

 

كانت عيننا على تونس تتابع ثورتها، وعيننا الأخرى على لبنان تلاحق تفاعلات بركانها الموشك على الانفجار، فإذا بوثائق الجزيرة تهبط علينا كصاعقة من السماء، فتلهينا عن هذا وذاك، مستدعية معها عديداً من الأسئلة الملتهبة والمتفجرة. وقبل أي حديث عن المضمون فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان سؤال حول مدى صحة هذه الوثائق ومدى دقة المعلومات الخطيرة التي أوردتها. وقد حاولت أن أتحرى إجابة السؤال منذ شرعت القناة في بثّها مساء الأحد الماضي. وفهمت من الذين رجعت إليهم أنها في حوزة الجزيرة منذ شهر أغسطس الماضي، وأنها منذ ذلك الحين خضعت لعمليات فحص وتدقيق من جانب مجموعة من الخبراء والمختصين، الذين كان من بينهم الأوروبيون والأمريكيون وثيقو الصلة بهذه العملية. وقد ظل هؤلاء يعملون طوال أكثر من أربعة أشهر، وخلصوا في نهاية المطاف إلى أن المحاضر أصلية وأنه لا أثر لأي تدخل أو تلاعب فيها. علمت أيضاً أن بعض المعلومات التي يمكن أن تهدّد أناساً معينين حجبت في الوقت الراهن، حيث ارتأى مسؤولو وحدة الشفافية بالقناة أن ذلك الحجب لا يؤثر على دفة المحاضر ولا جوهر المناقشات التي جرت.

 

هي المرة الأولى التي يتسرب فيها هذا الكم من الوثائق (1600) عن المفاوضات العربية "الإسرائيلية"، الأمر الذي أتاح لنا أن نتعرف على ما يجري في الغرفات المغلقة، والذي كان يقال لنا دائماً إن السياسيين العرب يقولون في تلك الغرفات كلاماً في حين يخاطبون الرأي العام بكلام آخر، وهو ما تؤيده وتؤكده محاضر الجلسات التي أذيعت، والتي بدا فيها المفاوض الفلسطيني ليس عارياً فحسب، وإنما منبطح بصورة فاضحة وصاعقة. ذلك أن الحوارات التي جرت كشفت عن أن المفاوض الفلسطيني لم تكن لديه أية خطوط حمراء. إذ أبدى استعداداً مذهلا ومروّعاً للتنازل عن القدس الشرقية وعن حق العودة وعن الحدود. بل أبدى استعداداً مماثلاً للتعاون مع "الإسرائيليين" في قتل الفلسطينيين المقاومين (إذا كان هذا هو التعاون فكيف يكون التواطؤ إذن؟).

 

من الملاحظات المهمة على الوثائق أنها كشفت لنا عن أن الطرف الفلسطيني هو الذي يعرض التنازلات واحداً تلو الآخر، في حين أن المفاوض "الإسرائيلي" يكتفي بتسجيل النقاط لحسابه وحصد الثمار. وحين يكون الأمر كذلك فإن مثل ذلك المفاوض الفلسطيني يصبح الوحيد المؤهل لتصفية القضية وإغلاق ملفها. وهو ما يفسّر لنا الطروحات "الإسرائيلية" التي تتمحور حول إمكانات الحل النهائي. ذلك أن "إسرائيل" لن تجد مفاوضاً يستجيب لطلباتها ويؤمّنها أنسب من القيادة الراهنة، التي على رأسها السيد محمود عباس (أبو مازن). وليس ذلك مجرّد استنتاج، لأن الأمريكيين ما برحوا يذكرون في كل مناسبة -وهذا ثابت في المحاضر السرية- أن أبو مازن هو الوحيد الذي يريدون التفاوض معه. وإذا أردنا أن نترجم هذا الكلام فهو يعني أن أبو مازن هو القيادي الفلسطيني الوحيد الذي من خلال موقعه كرئيس للسلطة يمكن أن «يؤمّن» على تصفية القضية الفلسطينية.

 

هذه الخلفية تستدعي ملفاً آخر مسكوتاً عنه، يتّصل بملابسات اغتيال الرئيس ياسر عرفات في عام 2004، والإتيان بالسيد محمود عباس بسرعة ليصبح خلفاً له، ويواصل مع "الإسرائيليين" مسيرة «السلام». وهو السيناريو الذي تشير الوثائق إلى أن تتابع وقائعه لم يكن من قبيل المصادفات. ولكنه كان ترتيباً جهنمياً نلمس نتائجه بوضوح في محاضر الجلسات المسرّبة.